حل مشكلة تعدد الزوجات
المستشار القانونى كريم ابو اليزيد
01287777888محامى الاحوال الشخصية الاول على مستوى مصر والاسكندرية
وحل جميع قضايا الاسرة ومشكلة تعدد
الزوجات وراى القانون فيها طبقا للقانون المصرى_الجزائرى_المغرب
اولا هل القانون المغربى يسمح
بتعدد الزوجات؟؟
طرحت مسألة تعدد الزوجات الكثير من التساؤلات على
المستويات الفكرية والقانونية باعتبارها إفرازا لواقع تاريخي .
وقد إنطلقت مختلف النظريات والمذاهب والآراء المرتبطة بمسألة التعدد مع معطيات النص القرانى وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِك أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا
وقد إختلف الموقف الفكري والقانوني على الصعيد العربي الإسلامي من المسألة باختلاف القراءة والتفسير للآية الكريمة فهناك من ذهب إلى المنع إنطلاقا من تفسير الآية على صيغة إستحالة العدل بين الزوجات. ولقد تبنى هذا الموقف الفكري والقانوني المشرع التونسي الذي نص في مقتضيات المادة 18 من مجلة الأحوال الشخصية على ان تعدد الزوجات ممنوع وأن كل من تزوج وهو في حالة الزوجية وقبل فك عصمة الزواج السابق يعاقب بالسجن لمدة عام وبغرامة أو بإحدى العقوبتين ولو ان الزواج الجديد أي الزواج بالمرأة الثانية لم يبرم طبق أحكام قانون الأحوال الشخصية.
وقد ذهبت أغلب الإتجاهات التشريعية العربية الإسلامية الأخرى إلى اعتماد التعدد على اعتبار أن تعدد الزوجات هو حق للزوج والزوجة الأولى على حد سواء هذه الأخيرة التي ترى فيه حلا لبعض المشكلات المرتبطة بعدم الإنجاب او المرض ومن اجل الحفاظ على تماسك واستمرار الأسرة وبيت الزوجية، ذلك أن الطلاق غالبا ما يؤدي إلى تشرد الأطفال خاصة بعد زواج الرجل بامرأة أخرى وتفضيله أبناءها على أبناء المرأة المطلقة في حالة تواجدهم.
ومن خلال إستقصاء تاريخ مدونة الأحوال الشخصية المغربية نجد أن المشرع المغربي قد ذهب مع الإتجاه الثاني وسمح بالتعدد قبل أن يقيده ويجعله تحت رقابة القضاء وهكذا فإن ظهير22 نونبر1957 المنظم لأحكام الزواج والطلاق كان قد نص في مقتضيات الفصل 30 على أنه إذا خيف عدم العدل بين الزوجات لم يجز التعدد. وأن للمتزوج عليها إذا لم تكن إشترطت الخيار أن ترفع أمرها للقاضي لينظر في الضرر الحاصل لها ولايعقد على المرأة الثانية إلا بعد إطلاعها على ان مريد الزواج منها متزوج بغيرها.وهكذا فإن المشرع في مدونة الأحوال الشخصية في نسختها الأولى كانت قراءات لنص الآية الكريمة بمدلول أخلاقي أكثر منه قانوني بمعنى ان القضاء لم يكن له أي دور فيما يخص المراقبة والإذن بالتعدد ومراقبة إمكانية العدل من عدمه.
وقد ذهب المشرع بعد ذلك في إطار تعديل10 سبتمبر1993 القاضي بتغيير وتتميم بعض فصول مدونة الأحوال الشخصية إلى إدخال بعض الإجراءات القانونية الهدف منها هو تقييد إمكانية التعدد مع السماح به تحت مراقبة القضاء وهكذا ذهبت المادة 30 من مدونة الأحوال الشخصية المعدلة بمقتضى الظهير الشريف معتبر بمثابة قانون رقم 1-93-347 إلى أنه يجب إشعار الزوجة الأولى برغبة الزوج التزوج عليها والثانية بانه متزوج بغيرها، وللزوجة ان تشترط على زوجها ان لايتزوج إذا تزوج فأمرها بيدها، كما ان للمتزوج عليها إذا لم تكن إشترطت الخيار أن ترفع أمرها للقاضي لينظر في الضرر الحاصل لها. وفي جميع الحالات إذا خيف عدم العدل بين الزوجات لايأذن القاضي بالتعدد. كما أن مقتضيات المادة 31 من نفس القانون كانت قد أضافت مقتضى جديد متعلق بإمكانية الإشتراط من الزوجة على الزوج عدم التزوج عليها وهكذا نصت نفس المادة على ان للمرأة الحق في أن تشترط في عقد النكاح ان لايتزوج عليها زوجها وأنه إذا لم يف الزوج به يبقى للزوجة حق طلب فسخ النكاح.
وإذا كان هذه هي المحطات القانونية لمدونة الأحوال الشخصية فيما يخص مسألة التعدد وإذا كان التقييد للتعدد في ظل هذه المقتضيات مرتبط بشرط واحد هو الذي يحدد حق الرجل في تعدد الزوجات هو الخوف من عدم إستطاعته العدل بينهم. أي أن الأمر يتعلق بشعور ذاتي صعب حصره على المستوى القانوني.
فإن المقتضيات الجديدة لمدونة الأسرة جاءت بمجموعة من القواعد الإجرائية والموضوعية رفعت مستوى تقنين وتقييد التعدد من المدلول الخلاقي إلى إلتزام قانوني مراقب مسموح به في حالات إسثتنائية حماية للهندسة الإجتماعية للأسرة داخل المجال الحضري مع الحفاظ على الرخصة المنصوص عليها في الآية الكريمة التي تبيح التعدد مع شرط العدل. وهكذا ولتوضيح المنطلقات التي ركزت عليها اللجنة العلمية التي كلفت بوضع مدونة الأسرة فغن المدونة ذهبت في ديباجتها إلى التذكير ببعض مقاصد فيما يخص معالجة مسألة تعدد الزوجات على المستوى القانوني لذلك نصت ديباجة مدونة الأسرة على انه فيما يخص التعدد فقد تم الإلتزام بمقاصد الإسلام في الحرص على العدل الذي جعل الله سبحانه وتعالى يقيد إمكان التعدد بتوفيره بقوله "فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة"وحيث أنه تعالى نفي هذا العدل بقوله، "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم" فقد جعله شبه ممتنع شرعا كما أن واضعوا مدونة الأسرة وفي الديباجة ذهبوا إلى أن تشبعهم بحكمة الإسلام المتميزة بالترخيص بزواج الرجل بإمرأة ثانية، بصفة شرعية لضرورات قاهرة وضوابط صارمة، وبإذن من القاضي، بدل اللجوء إلى التعدد الفعلي غير الشرعي، في حالة منع التعدد بصفة قطعية.
وهكذا فإذا كان هذا هو المدخل القانوني وأسباب نزول القواعد الجديدة التي أتت بها مدونة الأسرة في مسألة التعدد فإن قبل الإشار إليها ومقاربتها باقتضاب يجب التذكير بأنه وبعد أكثر من سنتين من دخول القانون الجديد حيز التنفيذ فإن مسألة التعدد لم تطرح بشكل يمكن أن يثير الإنتباه خاصة داخل الحواضر الكبرى والتي أصبح اتلحديث عن التعدد داخلها في ظل المعطيات الإقتصادية والإجتماعية المرتبطة بطبيعة النظام الإقتصادي الرأسمالي واتساع ظاهرة الأسرة النووية وما يرتبط بها من إكراهات لذلك فإن الطلبات المطروحة على القضاء بخصوص التعدد لاتكد تتجاوز أصابع اليد في العديد من أقساك قضاء الأسرة لدى المحاكم الإبتدائية.
وهكذا فإن مقتضيات مدونة الأسرة الجديد نضمت مسألة التعدد في الباب الثاني من القسم الثالث من الكتاب الأول في المواد من 44 إلى46 قد نصت المدونة على مجموعة من المقتضيات الجديدة ذهبت في بعضها إلى حد المنع كالحالة التي يكون فيها شرط في عقد الزواج من الزوجة في عدم التزوج عليها.
وهكذا فإن التعدد يمنع في ظل مقتضيات المادة 44 في حالتين الحالة الأولى هي إذا خيف من عدم العدل بين الزوجات وهي حالة يرجع فيها تقدير مسألة الخوف من عدم العدل إلى القضاء الذي له البحث عن القصد الشرعي في كل ملف يعرض عليه.
أما الحالة الثانية التي يمنع فيها التعدد على الرجل او الزوج فهي حالة وجود شرط من الزوجة بعدم التزوج عليها في عقد الزواج فإن هذا الشرط يمنع الزوج من التعدد.
وهكذا ففي حالة وجود شرط الإمتناع عن التعدد فإن الزوج الراغب في الزواج بزوجة ثانية يقدم طلب الإذن بذلك إلى المحكمة بمقتضى م طلب مؤدى عنه الرسوم القضائية، ويجب أن يتضمن الطلب بيان الأسباب المبررة للتعدد، ويجب أن يرفق الطلب بإقرار عن وضعية طالب التعدد المادية.
وقد أتت مدونة الأسرة بقواعد إجرائية الهدف منها الحرص على حقوق المرأة المراد التزوج عليها وهكذا فإن المحكمة وطبقا لمقتضيات المادة 43 من نفس المدون ملزمة باستدعاء الزوج المراد التزوج عليها للحضور طبقا لمقتضيات المواد 36 و37 من قانون المسطرة المدنية وأكثر من هذا فإن المشرع وزيادة في الحرص على حماية حقوق الزوجة المراد التزوج عليها فإن المادة43 نصت على انه إذا توصلت الزوجة المراد التزوج عليها شخصيا بالإستدعاء لحضور جلسة البث في الطلب، ولم تحضر أو إمتنعت من تسلم الإستدعاء، فإن المحكمة ملزمة قانونا أن توجه إليها عن طريق عون كتابة الضبط إنذارا تشعرها فيه بأنها إذا لم تحضر في الجلسة المحدد تاريخها في الإنذار سيبث في طلب الزوج في غيابها، كما أنه يمكن البث في الطلب في غيبة الزوجة المراد التزوج عليها إذا أفادت النيابة العامة تعذر الحصول على موطن او محل إقامة يمكن إستدعاؤها فيه.
هذا مع العلم ان مدونة الأسرة أحالت مقتضيات المادة 361 من القانون الجنائي التي تعاقب الزوج طالب الإذن بالتعدد إذا كان بسبب عدم توصل الزوجة بالإستدعاء ناتجا عن تقديمه بسوء نية لعنوان غير صحيح أو تحريف في إسم الزوجة، والمتابعة من طرف النيابة العامة تتم بطلب من الزوجة المتضررة.
وبعد الإجراءات المتعلقة بالتبليغ فإن المناقشة تجرى في غرفة المشورة بحضور الطرفين محاميهما ويتم الإستماع إليهما لمحاولة التوفيق وإصلاح ذات البن بعد إستقصاء الوقائع والأسباب الدافعة إلى المطالبة بالإذن بالتعدد وتقديم البيانات المطلوبة، مع العلم ان المحكمة وطبقا لمقتضيات المادة 41 من المدونة لاتأذن بالتعدد، إذا لم يثبت لها المبرر الموضوعي الإسثتنائي، أو إذا لم تكن لطالبه الموارد الكافية لإعالة الأسرتين وضمان الحقوق من نفقة وإسكان ومساولة في جميع مناحي الحياة الإجتماعية من مساكنة شرعية ومعاشرة بالمعروف وتحمل مسؤولية تسيير ورعاية لشؤون البيت وغيرها…
وفي حالة ثبوت المبرر الموضوعي والإسثتنائي وتوفرت الشروط الشرعية للتعدد فإن المحكمة تأذن بالتعدد بمقرر معلل غير قابل لأي طعن مع تقييده بشروط لفائدة المتزوج عليها وأطفالهما.
مع العلم انه إذا ثبت للمحكمة من خلال المناقشة بغرفة المشورة تعذر إستمرار العلاقة الزوجية، وأصرت الزوجة المراد التزوج عليها المطالبة بالتطليق فإن المحكمة ملزمة بتحديد مبلغا ماليا كافي لستيفاء كافة حقوق الزوجة من متعو ونفقة ومؤخر الصداق وغيرها وأولادهما الملزم طالب الإذن بالتعدد بالإنفاق عليهم.
هذا المبلغ المالي يجب على طالب الإذن بالتعدد إيداعه داخل أجل لايتعدى سبعة أيام، مع العلم أن عدم إيداع المبلغ المذكور داخل الأجل القانوني المحدد بصندوق المحكمة يعتبر تراجعا عن طلب الإذن بالتعدد يتم على إثره حفظ الملف بشكل نهائي.
وفي حالة إيداع المبلغ من طرف الزوج فإن المحكمة تصدر بمجرد الإيداع حكما بالتطليق، هذا الحكم يكون نهائيا وغير قابل لأي طعن في شقه القاضي بإنهاء العلاقة الزوجية.
أما إذا تمسك الزوج بطلب الإذن بالتعددد، ولم توافق الزوجة المراد التزوج عليها ولم تطلب التطليق فإن المحكمة تطبق تلقائيا مسطرة الشقاق كما هي منصوص عليها في مدونة الأسرة.
مع العلم انه في حالة الإذن بالتعدد فغن العقد لايتم مع المراد التزوج بها إلا بعد إشعارها من طرف القاضي المكلف بسجل الزواج بأن مريد الزواج بها متزوج بغيرها ورضاها بذلك وهذا الإشعار والتعبير عن الرضى يضمن في محضر رسمي يوضع في ملف الزوجية.
وقد إنطلقت مختلف النظريات والمذاهب والآراء المرتبطة بمسألة التعدد مع معطيات النص القرانى وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِك أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا
وقد إختلف الموقف الفكري والقانوني على الصعيد العربي الإسلامي من المسألة باختلاف القراءة والتفسير للآية الكريمة فهناك من ذهب إلى المنع إنطلاقا من تفسير الآية على صيغة إستحالة العدل بين الزوجات. ولقد تبنى هذا الموقف الفكري والقانوني المشرع التونسي الذي نص في مقتضيات المادة 18 من مجلة الأحوال الشخصية على ان تعدد الزوجات ممنوع وأن كل من تزوج وهو في حالة الزوجية وقبل فك عصمة الزواج السابق يعاقب بالسجن لمدة عام وبغرامة أو بإحدى العقوبتين ولو ان الزواج الجديد أي الزواج بالمرأة الثانية لم يبرم طبق أحكام قانون الأحوال الشخصية.
وقد ذهبت أغلب الإتجاهات التشريعية العربية الإسلامية الأخرى إلى اعتماد التعدد على اعتبار أن تعدد الزوجات هو حق للزوج والزوجة الأولى على حد سواء هذه الأخيرة التي ترى فيه حلا لبعض المشكلات المرتبطة بعدم الإنجاب او المرض ومن اجل الحفاظ على تماسك واستمرار الأسرة وبيت الزوجية، ذلك أن الطلاق غالبا ما يؤدي إلى تشرد الأطفال خاصة بعد زواج الرجل بامرأة أخرى وتفضيله أبناءها على أبناء المرأة المطلقة في حالة تواجدهم.
ومن خلال إستقصاء تاريخ مدونة الأحوال الشخصية المغربية نجد أن المشرع المغربي قد ذهب مع الإتجاه الثاني وسمح بالتعدد قبل أن يقيده ويجعله تحت رقابة القضاء وهكذا فإن ظهير22 نونبر1957 المنظم لأحكام الزواج والطلاق كان قد نص في مقتضيات الفصل 30 على أنه إذا خيف عدم العدل بين الزوجات لم يجز التعدد. وأن للمتزوج عليها إذا لم تكن إشترطت الخيار أن ترفع أمرها للقاضي لينظر في الضرر الحاصل لها ولايعقد على المرأة الثانية إلا بعد إطلاعها على ان مريد الزواج منها متزوج بغيرها.وهكذا فإن المشرع في مدونة الأحوال الشخصية في نسختها الأولى كانت قراءات لنص الآية الكريمة بمدلول أخلاقي أكثر منه قانوني بمعنى ان القضاء لم يكن له أي دور فيما يخص المراقبة والإذن بالتعدد ومراقبة إمكانية العدل من عدمه.
وقد ذهب المشرع بعد ذلك في إطار تعديل10 سبتمبر1993 القاضي بتغيير وتتميم بعض فصول مدونة الأحوال الشخصية إلى إدخال بعض الإجراءات القانونية الهدف منها هو تقييد إمكانية التعدد مع السماح به تحت مراقبة القضاء وهكذا ذهبت المادة 30 من مدونة الأحوال الشخصية المعدلة بمقتضى الظهير الشريف معتبر بمثابة قانون رقم 1-93-347 إلى أنه يجب إشعار الزوجة الأولى برغبة الزوج التزوج عليها والثانية بانه متزوج بغيرها، وللزوجة ان تشترط على زوجها ان لايتزوج إذا تزوج فأمرها بيدها، كما ان للمتزوج عليها إذا لم تكن إشترطت الخيار أن ترفع أمرها للقاضي لينظر في الضرر الحاصل لها. وفي جميع الحالات إذا خيف عدم العدل بين الزوجات لايأذن القاضي بالتعدد. كما أن مقتضيات المادة 31 من نفس القانون كانت قد أضافت مقتضى جديد متعلق بإمكانية الإشتراط من الزوجة على الزوج عدم التزوج عليها وهكذا نصت نفس المادة على ان للمرأة الحق في أن تشترط في عقد النكاح ان لايتزوج عليها زوجها وأنه إذا لم يف الزوج به يبقى للزوجة حق طلب فسخ النكاح.
وإذا كان هذه هي المحطات القانونية لمدونة الأحوال الشخصية فيما يخص مسألة التعدد وإذا كان التقييد للتعدد في ظل هذه المقتضيات مرتبط بشرط واحد هو الذي يحدد حق الرجل في تعدد الزوجات هو الخوف من عدم إستطاعته العدل بينهم. أي أن الأمر يتعلق بشعور ذاتي صعب حصره على المستوى القانوني.
فإن المقتضيات الجديدة لمدونة الأسرة جاءت بمجموعة من القواعد الإجرائية والموضوعية رفعت مستوى تقنين وتقييد التعدد من المدلول الخلاقي إلى إلتزام قانوني مراقب مسموح به في حالات إسثتنائية حماية للهندسة الإجتماعية للأسرة داخل المجال الحضري مع الحفاظ على الرخصة المنصوص عليها في الآية الكريمة التي تبيح التعدد مع شرط العدل. وهكذا ولتوضيح المنطلقات التي ركزت عليها اللجنة العلمية التي كلفت بوضع مدونة الأسرة فغن المدونة ذهبت في ديباجتها إلى التذكير ببعض مقاصد فيما يخص معالجة مسألة تعدد الزوجات على المستوى القانوني لذلك نصت ديباجة مدونة الأسرة على انه فيما يخص التعدد فقد تم الإلتزام بمقاصد الإسلام في الحرص على العدل الذي جعل الله سبحانه وتعالى يقيد إمكان التعدد بتوفيره بقوله "فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة"وحيث أنه تعالى نفي هذا العدل بقوله، "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم" فقد جعله شبه ممتنع شرعا كما أن واضعوا مدونة الأسرة وفي الديباجة ذهبوا إلى أن تشبعهم بحكمة الإسلام المتميزة بالترخيص بزواج الرجل بإمرأة ثانية، بصفة شرعية لضرورات قاهرة وضوابط صارمة، وبإذن من القاضي، بدل اللجوء إلى التعدد الفعلي غير الشرعي، في حالة منع التعدد بصفة قطعية.
وهكذا فإذا كان هذا هو المدخل القانوني وأسباب نزول القواعد الجديدة التي أتت بها مدونة الأسرة في مسألة التعدد فإن قبل الإشار إليها ومقاربتها باقتضاب يجب التذكير بأنه وبعد أكثر من سنتين من دخول القانون الجديد حيز التنفيذ فإن مسألة التعدد لم تطرح بشكل يمكن أن يثير الإنتباه خاصة داخل الحواضر الكبرى والتي أصبح اتلحديث عن التعدد داخلها في ظل المعطيات الإقتصادية والإجتماعية المرتبطة بطبيعة النظام الإقتصادي الرأسمالي واتساع ظاهرة الأسرة النووية وما يرتبط بها من إكراهات لذلك فإن الطلبات المطروحة على القضاء بخصوص التعدد لاتكد تتجاوز أصابع اليد في العديد من أقساك قضاء الأسرة لدى المحاكم الإبتدائية.
وهكذا فإن مقتضيات مدونة الأسرة الجديد نضمت مسألة التعدد في الباب الثاني من القسم الثالث من الكتاب الأول في المواد من 44 إلى46 قد نصت المدونة على مجموعة من المقتضيات الجديدة ذهبت في بعضها إلى حد المنع كالحالة التي يكون فيها شرط في عقد الزواج من الزوجة في عدم التزوج عليها.
وهكذا فإن التعدد يمنع في ظل مقتضيات المادة 44 في حالتين الحالة الأولى هي إذا خيف من عدم العدل بين الزوجات وهي حالة يرجع فيها تقدير مسألة الخوف من عدم العدل إلى القضاء الذي له البحث عن القصد الشرعي في كل ملف يعرض عليه.
أما الحالة الثانية التي يمنع فيها التعدد على الرجل او الزوج فهي حالة وجود شرط من الزوجة بعدم التزوج عليها في عقد الزواج فإن هذا الشرط يمنع الزوج من التعدد.
وهكذا ففي حالة وجود شرط الإمتناع عن التعدد فإن الزوج الراغب في الزواج بزوجة ثانية يقدم طلب الإذن بذلك إلى المحكمة بمقتضى م طلب مؤدى عنه الرسوم القضائية، ويجب أن يتضمن الطلب بيان الأسباب المبررة للتعدد، ويجب أن يرفق الطلب بإقرار عن وضعية طالب التعدد المادية.
وقد أتت مدونة الأسرة بقواعد إجرائية الهدف منها الحرص على حقوق المرأة المراد التزوج عليها وهكذا فإن المحكمة وطبقا لمقتضيات المادة 43 من نفس المدون ملزمة باستدعاء الزوج المراد التزوج عليها للحضور طبقا لمقتضيات المواد 36 و37 من قانون المسطرة المدنية وأكثر من هذا فإن المشرع وزيادة في الحرص على حماية حقوق الزوجة المراد التزوج عليها فإن المادة43 نصت على انه إذا توصلت الزوجة المراد التزوج عليها شخصيا بالإستدعاء لحضور جلسة البث في الطلب، ولم تحضر أو إمتنعت من تسلم الإستدعاء، فإن المحكمة ملزمة قانونا أن توجه إليها عن طريق عون كتابة الضبط إنذارا تشعرها فيه بأنها إذا لم تحضر في الجلسة المحدد تاريخها في الإنذار سيبث في طلب الزوج في غيابها، كما أنه يمكن البث في الطلب في غيبة الزوجة المراد التزوج عليها إذا أفادت النيابة العامة تعذر الحصول على موطن او محل إقامة يمكن إستدعاؤها فيه.
هذا مع العلم ان مدونة الأسرة أحالت مقتضيات المادة 361 من القانون الجنائي التي تعاقب الزوج طالب الإذن بالتعدد إذا كان بسبب عدم توصل الزوجة بالإستدعاء ناتجا عن تقديمه بسوء نية لعنوان غير صحيح أو تحريف في إسم الزوجة، والمتابعة من طرف النيابة العامة تتم بطلب من الزوجة المتضررة.
وبعد الإجراءات المتعلقة بالتبليغ فإن المناقشة تجرى في غرفة المشورة بحضور الطرفين محاميهما ويتم الإستماع إليهما لمحاولة التوفيق وإصلاح ذات البن بعد إستقصاء الوقائع والأسباب الدافعة إلى المطالبة بالإذن بالتعدد وتقديم البيانات المطلوبة، مع العلم ان المحكمة وطبقا لمقتضيات المادة 41 من المدونة لاتأذن بالتعدد، إذا لم يثبت لها المبرر الموضوعي الإسثتنائي، أو إذا لم تكن لطالبه الموارد الكافية لإعالة الأسرتين وضمان الحقوق من نفقة وإسكان ومساولة في جميع مناحي الحياة الإجتماعية من مساكنة شرعية ومعاشرة بالمعروف وتحمل مسؤولية تسيير ورعاية لشؤون البيت وغيرها…
وفي حالة ثبوت المبرر الموضوعي والإسثتنائي وتوفرت الشروط الشرعية للتعدد فإن المحكمة تأذن بالتعدد بمقرر معلل غير قابل لأي طعن مع تقييده بشروط لفائدة المتزوج عليها وأطفالهما.
مع العلم انه إذا ثبت للمحكمة من خلال المناقشة بغرفة المشورة تعذر إستمرار العلاقة الزوجية، وأصرت الزوجة المراد التزوج عليها المطالبة بالتطليق فإن المحكمة ملزمة بتحديد مبلغا ماليا كافي لستيفاء كافة حقوق الزوجة من متعو ونفقة ومؤخر الصداق وغيرها وأولادهما الملزم طالب الإذن بالتعدد بالإنفاق عليهم.
هذا المبلغ المالي يجب على طالب الإذن بالتعدد إيداعه داخل أجل لايتعدى سبعة أيام، مع العلم أن عدم إيداع المبلغ المذكور داخل الأجل القانوني المحدد بصندوق المحكمة يعتبر تراجعا عن طلب الإذن بالتعدد يتم على إثره حفظ الملف بشكل نهائي.
وفي حالة إيداع المبلغ من طرف الزوج فإن المحكمة تصدر بمجرد الإيداع حكما بالتطليق، هذا الحكم يكون نهائيا وغير قابل لأي طعن في شقه القاضي بإنهاء العلاقة الزوجية.
أما إذا تمسك الزوج بطلب الإذن بالتعددد، ولم توافق الزوجة المراد التزوج عليها ولم تطلب التطليق فإن المحكمة تطبق تلقائيا مسطرة الشقاق كما هي منصوص عليها في مدونة الأسرة.
مع العلم انه في حالة الإذن بالتعدد فغن العقد لايتم مع المراد التزوج بها إلا بعد إشعارها من طرف القاضي المكلف بسجل الزواج بأن مريد الزواج بها متزوج بغيرها ورضاها بذلك وهذا الإشعار والتعبير عن الرضى يضمن في محضر رسمي يوضع في ملف الزوجية.
لهذا اذا تزوج الزوج المغربى باخرى دون علم زوجتة
يعتبر عقد زواجة الثانى باطل ويعاقب بالحبس الى ان توافق الزوجة الاولى عن الزواج
ولكن ما الوضع اذا تزوج بااخرى مصرية مقيمة فى مصر
لمزيد من التوضيح كلمنا على:
01287777888
او
ثانيا هل يجوز التعدد
طبقا للقانون التونسى؟؟
لست أذيع سرا و لا أكشف مستورا إن قلت أن تعدد الزوجات في
بلادنا ممنوع قانونيا بموجب الفصل 18 من مجلة الأحوال الشخصية، الموجود بالقانون
ع70دد لسنة 1958 و الذي ينص صراحة على منع تعدد الزوجات، كما يرتب على مخالفة هذا
القانون عقوبات جسدية و مالية حسب الفقرة الثانية منه.
و هو قانون صارم حاسم لا مجال فيه للإجتهاد أو التأويل خاصة بعد أن أضيفت إليه الفقرات 3 و 4 و 5 بموجب القانون ع1دد لسنة 1964 المؤرخ في 21/04/1964، الذي أغلق الباب أمام أي محاولة للزواج بخلاف الصيغ القانونية.
فالمسألة إذا من وجهة نظر القانون محسومة لا لبس فيها و لا جدال. فهل أن الموضوع محسوم بنفس هذه الدرجة على مستوى الواقع؟ الحقيقة أن الجدال ما يزال قائما واقعيا في مسألة تعدد الزوجات بين مناصر و مناهض و مستهجن...
و لا يحتاج كلامنا لدليل إذ يكفي أن نلاحظ بعين العقل ما يحدث من تجاذب بين أطياف من المجتمع في كل مناسبة وطنية يأتي الحديث فيها عن حقوق المرأة و حريتها و حقها في المساواة مع الرجل.
و قد احتدمت وتيرة النقاش في الفترة الأخيرة بعد دخول حركة النهضة إلى معترك الحياة السياسية كحزب له مرجعية دينية و بروزه كفصيل سياسي هام بل ربما الأكثر أهمية مقارنة مع باقي الأحزاب التي تنتمي في غالبها إلى التيار المصطلح على تسميته بالحداثي أو العلماني. و لآ أريد التطرق في هذا المقال إلى تحليل المسميات خشية التفرع و الإطالة على القارئ.
و يرتبط الجدال في واقع الأمر بربط لا شعوري عند أغلب من يعارضون فكرة تعدد الزوجات بين الإسلام و الحركات الإسلامية. و منطلق هذا الربط أن الإسلام هو من أباح و شرع تعدد الزوجات، و هو أمر لا صحة له و فيه خلط كبير يقع فيه من يفهم التشريعات الإسلامية بصورة سطحية. فتعدد الزوجات في الحقيقة موجود قبل الإسلام في ظل التشريعات السماوية السابقة المسيحية و اليهودية و حتى التشريعات الوضعية. ففي الجاهلية، كان الرجل يتزوج بعدد غير محدود من النساء و يجمع المئات من الجواري يشتريهن كما يشتري أي بضاعة من السوق. كما شهدت فترة ما قبل الإسلام أنواعا من الزواج تختلف باختلاف المصلحة مثل زواج البضع. فقد كان دارجا لديهم أن يحمل الرجل زوجته لتعاشر سيد القبيلة أو فارسها و تنجب منه فارسا للقبيلة و كان الأمر لديهم في مقام الفخر. كما كان من حق الرجل الجمع في الزواج بين أختين، أو التزوج من زوجة والده بعد وفاته حيث كان يرثها من ضمن ما يرث عن أبيه.
ربما كان هذا الكلام صادما لبعض دعاة التحرر و الحداثيين و لكن أنا شخصيا أرى اليوم دعوات من هؤلاء أشد مما كان يحدث في الجاهلية إذ لم يجترأ أحد قديما على المطالبة بحرية الزواج و المثلية الجنسية.......
أعود للحديث عن الإسلام، فأقول أن الإسلام في واقع الأمر جاء محددا للزواج و لم يأتي معددا. فبعد تحريم جميع أشكال الزواج الجاهلي كالجمع بين الأختين و زواج الرجل بزوجة أبيه و زواج البضع..... حدد العدد الأقصى للزوجات بأربع و اشترط في الجمع بينهن العدل. و لنا في العدل قول ربما ساهم في إماطة اللثام على الكثير من الغموض يكتنف هذه المسألة. فالعدل في معاملة الزوجات صنفان. عدل مادي و عدل معنوي. أما العدل المادي فمقدور عليه و متاح و تفصيل الكلام فيه لا يضيف جديدا. أما العدل المعنوي، فهو مدار الفهم و هو المقصود بقول الله تعالى في القرآن " و لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء و لو حرصتم..." فالإستحالة هنا مؤكدة ب "لن الزمخشرية" التي تفيد الإستحالة المطلقة. و قد يبدو للوهلة الأولى تضارب بين إباحة تعدد الوجات من جهة و اشتراط العدل له و استحالة العدل من جهة أخرى. فيأتي الحل في الآية التي تليها بقول الله تعالى" فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة " و تحريم كل الميل يعني إباحة بعض الميل. و المقصود هنا بالميل العاطفي لزوجة دون بقية الزوجات. و هو كان حال النبي صلى الله عليه و سلم إذ كان يميل إلى السيدة عائشة أكثر من بقية زوجاته و كان هذا الأمر معلوما لهن جميعا. فالعدل المطلق في هذا المستوى مستحيل، و لذلك فقد أباح الله تعالى -و هو أدرى بعباده- بعض الميل دون أن يبلغ مستوى الإهمال المعنوي لبقية الزوجات بأن يتركهن معلقات...
نأتي الآن لتفصيل القول في هذا الموضوع على المستوى الواقعي بعد أن عرفنا حقيقته من وجهة نظر القانون الوضعي و التشريع الإسلامي.
و يحضرني في هذا المقام، مقال قرأته مؤخرا للأستاذ عبد الفتاح مورو يتحدث فيه عن ظاهرة الزواج العرفي لدى طائفة من الشباب الجامعي ممن ينتمون إلى التيار السلفي، و هو من وجهة نظره غير شرعي نظرا لإفتقاره لعنصرين أساسيين و هما الإشهار و الوليمة. و أنا و إن كنت أتفق معه في هذا المستوى إلا أن ما أثار دهشتي، هو تنويهه بمكاسب المرأة التونسية في ظل التشريعات الحديثة و يعني بذلك مجلة الأحوال الشخصية.
و قبل الخوض في هذه المجلة أريد أن أحلل الواقع بشيئ من العمق.
الزواج العرفي واقع ملموس و ظاهرة متفاقمة، و لكل ظاهرة أسبابها.
و سؤالنا بهذا الخصوص، ما هي الدوافع الحقيقية للجوء بعض الشباب لهذا الحل الذي يبدو في ظاهره زواج في حين أنه لا يعدو أن يكون زنا في ثوب جديد. في تقديري أن مسألة الإختلاط بين الجنسين في المعاهد و الجامعات، سبب أساسي في بروز هذه الظاهرة. في ظل غياب الوعي و ضعف الإيمان و قلة التجربة و طغيان المادة على حساب القيم، تكبر الشهوة في قلوب فئة غير قليلة من الشباب يغذيها هذا الإختلاط المفتقر لأدنى الضوابط الأخلاقية و الدينية. زد على ذلك سفور شق كبير من الفتيات في اللباس و السلوك عامة الأمر الذي يدفع بطالبي المتعة و الجائعين جنسيا للتفكير في إشباع هذا النهم مع اختلاف الأساليب. و الشباب المتدين في حقيقة الأمر لا يختلف كثيرا عن غير المتدينين و إن اختلفت الأساليب و المناهج فقد اتحدت الغاية و واقع الفساد في بلادنا لا يخفى على ذي نظر.
و مع الزواج العرفي، برز لدى التيار السلفي مفهوم جديد لعقد الزواج الذي لا يكون ضرورة عقد كتابي كما هو معروف لدينا بالصداق سواءا تم تحريره بواسطة عدلي إشهاد أو بواسطة ضابط الحالة المدنية. و صورة الحال أن يتم العرض و القبول في المسجد بحضور الإمام (شيخهم) و شهود و من ينوب على العروس و تلاوة سورة الفاتحة. و هذا العقد يسمونه بالعقد الشرعي. و بهذا التمشي الجديد، فلا مانع في تعدد الزوجات ما دام لا يخالف الشرع في نظرهم و لا يتعارض مع القانون الوضعي.......
و في الحقيقة، فإن ربط الزواج العرفي أو الزواج على خلاف الصيغ القانونية بالتيار السلفي، فيه إجحاف و ظلم في حقهم. فالواقع يشهد بتفشي هذا المنهج السلوكي لدى طائفة كبيرة من المجتمع المتدين منهم و غير المتدين و خاصة الذين يتوفر لديهم المال، في محاولة لتحدي القانون الوضعي المنصوص عليه بالفصل 18 من مجلة الأحوال الشخصية.
و نأتي الآن إلى الركن المحضور.لنعرض هذه المجلة على واقع الحال في بلادنا بموضوعية و عمق بعيدا عن التجاذبات السياسية و المصلحية الضيقة.
هذه المجلة طالما كانت محل فخر من العديد من الأحزاب و المنظمات و الجمعيات، على غرار جمعية أمهات تونس و جمعية النساء الديموقراطيات....و غيرها. و لنا أن نسأل أنفسنا، أحقا هؤلاء حريصون و حريصات على حقوق المرأة؟؟؟؟؟ واقع الحال ينبؤك بخلاف هذا. و أنا أقول صراحة أن تمسك هؤلاء بمجلة الأحوال الشخصية إنما الغرض منه تحقيق أكبر قدر من الحرية بمفهومها الهابط. كيف لا و هذه المجلة لا تحرم حراما و لا تحل حلالا...كيف و هذه المجلة تشرع للفساد و تعطيه الغطاء القانوني بحيث لا تثريب على من جمحت به شهواته لمعاشرة عدد غير محدود من النساء مع توفر الرضا و الرشد و غياب المقابل المادي. هذه المجلة لا تجرم الزنا إلا إذا كان الفعل بمقابل مادي أو وقع الفعل على قاصر أو بالإكراه. في ما عدى هذه الصور، لك أن تفعل ما تشاء. أما إذا تزوجت بثانية، فتلك هي الطامة الكبرى. في هذه الحالة يقع تجريمك و تسجن و تجبر على دفع غرامة مالية و تفتح عليك أبواب جهنم على مصارعها.
و أنا لا أريد أن يفهم من كلامي أنني أنادي بتعدد الزوجات و إن كان في الأمر بعض وجاهة، غير أن ما اردت لفت النظر إليه، هو هذا الواقع المتردي الذي وصلنا إليه. واقع الفساد الأخلاقي و واقع العنوسة لدى شق كبير من النساء و التأخر في سن الزواج بالنسبة للرجال. عدد لا يستهان به من الأمهات العزبوات و من الأطفال المجهولي النسب. عزوف عن الزواج من الشقين بسب ما توفر من الفرص لإشباع الرغبة الجنسية خارج مؤسسة الزواج بدون قيود من إنفاق المال و رعاية الأطفال و التنازل قصرا عن جزء من الحرية الشخصية لفائدة الأسرة.
التطبيق الأعمى للقانون، دون التعرض لكل حالة بمفردها، ادى بالبعض- ممن يبحثون عن الحلال في مواجهة واقع التشريعات اللادينية – إلى التحايل على القانون الشرعي بصور مختلفة منها توقيع الطلاق القانوني بنية الزواج بثانية ثم إرجاع الأولى شرعا و مواصلة المعاشرة مع الإثنين و الأمثلة عديدة. و الجدير بالذكر، أنتونس تسجل حاليا أعلى نسبة في حالات الطلاق مقارنة بباقي البلدان العربية و الإسلامية..
و إن كان ضمن فلسفة المشرع في مجلة الأحوال الشخصية، حماية الأسرة من التفكك و الإنهيار في صورة إقدام الزوج على الزواج بثانية أو ثالثة أو رابعة من جهة صعوبة الرعاية و العجز عن الإنفاق، فإن هذه الفلسفة بعينها أدت إلى حالات من التفكك و الإنهيار في الأسر يصعب حلها. و أنا لا أبالغ إن قلت أن نسبة أكثر من 90 بالمائة من الأزواج، يواصلون المعاشرة مرغمين و قد انتهى بينهم كل شيئ من مقومات الزواج و لم يبق من رابط سوى الأطفال...
و ماذا عن أولئك الذين تتوفر لديهم القدرة على الإنفاق و المعاشرة لأكثر من زوجة مع جموح الشهوة و عدم توفر الإشباع؟؟؟؟ ماذا عن هؤلاء؟؟؟؟ أليس من حقهم الزواج؟ ألا يوفر ذلك فرصة للفتيات غير المتزوجات بالزواج و الإنجاب و الإستقرار؟؟؟؟
ليس في الأمر سلب للحرية أو هضم لأي حق. فمن رغب في الزواج و وجد من تقبل به زوجا مع وجود الزوجة الأولى فله ذلك. و من أراد التمسك بزوجته الأولى و رفض الزواج بأخرى فله ذلك. و من ترفض الزواج برجل متزوج أيضا لها مطلق الحرية. و أنا ارى أن هذا الموضوع طرح بشكل خاطئ منذ ما يزيد عن خمسين سنة و ما زال الخطأ مستمرا حتى توهم البعض أنه مكسب و أسالوا المداد في الدفاع عنه مع أن المشكل أساسا غير مطروح إلا في أذهان بعض المتنطعين و المتشدقين بحقوق المرأة و حريتها....عن جهل أو عن سوؤ نية.
و السؤال الآن، إن كان هذا التشريع قد جاء ضمن سياسة بورقيبية علمانية مناهضة للدين، تؤمن بتعرية المرأة كمظهر من مظاهر الحرية و تعتبره مكسبا مدنيا. و أمام تفاقم ظاهرة الحجاب و النقاب في الشارع التونسي و في المؤسسات و بروز ظاهرة الزواج العرفي كشكل من أشكال التحدي لهذا التشريع و في ظل تفاقم واقع العنوسة و الفساد الأخلاقي و تفتح المجتمعات على بعضها و التقارب الملحوظ بين تونس ما بعد الثورة و محيطها العربي و الإسلامي.... هل من مشروعية لهذا القانون الذي ظل جاثما على صدورنا أكثر من خمسة عقود...ربما سمح لنا سبر الأراء في هذا الموضوع استجلاء الحقيقة و ربما أدركنا أن أكثر شريحة ستطالب بإلغاء هذا التشريع هي شريحة النساء.......
و هو قانون صارم حاسم لا مجال فيه للإجتهاد أو التأويل خاصة بعد أن أضيفت إليه الفقرات 3 و 4 و 5 بموجب القانون ع1دد لسنة 1964 المؤرخ في 21/04/1964، الذي أغلق الباب أمام أي محاولة للزواج بخلاف الصيغ القانونية.
فالمسألة إذا من وجهة نظر القانون محسومة لا لبس فيها و لا جدال. فهل أن الموضوع محسوم بنفس هذه الدرجة على مستوى الواقع؟ الحقيقة أن الجدال ما يزال قائما واقعيا في مسألة تعدد الزوجات بين مناصر و مناهض و مستهجن...
و لا يحتاج كلامنا لدليل إذ يكفي أن نلاحظ بعين العقل ما يحدث من تجاذب بين أطياف من المجتمع في كل مناسبة وطنية يأتي الحديث فيها عن حقوق المرأة و حريتها و حقها في المساواة مع الرجل.
و قد احتدمت وتيرة النقاش في الفترة الأخيرة بعد دخول حركة النهضة إلى معترك الحياة السياسية كحزب له مرجعية دينية و بروزه كفصيل سياسي هام بل ربما الأكثر أهمية مقارنة مع باقي الأحزاب التي تنتمي في غالبها إلى التيار المصطلح على تسميته بالحداثي أو العلماني. و لآ أريد التطرق في هذا المقال إلى تحليل المسميات خشية التفرع و الإطالة على القارئ.
و يرتبط الجدال في واقع الأمر بربط لا شعوري عند أغلب من يعارضون فكرة تعدد الزوجات بين الإسلام و الحركات الإسلامية. و منطلق هذا الربط أن الإسلام هو من أباح و شرع تعدد الزوجات، و هو أمر لا صحة له و فيه خلط كبير يقع فيه من يفهم التشريعات الإسلامية بصورة سطحية. فتعدد الزوجات في الحقيقة موجود قبل الإسلام في ظل التشريعات السماوية السابقة المسيحية و اليهودية و حتى التشريعات الوضعية. ففي الجاهلية، كان الرجل يتزوج بعدد غير محدود من النساء و يجمع المئات من الجواري يشتريهن كما يشتري أي بضاعة من السوق. كما شهدت فترة ما قبل الإسلام أنواعا من الزواج تختلف باختلاف المصلحة مثل زواج البضع. فقد كان دارجا لديهم أن يحمل الرجل زوجته لتعاشر سيد القبيلة أو فارسها و تنجب منه فارسا للقبيلة و كان الأمر لديهم في مقام الفخر. كما كان من حق الرجل الجمع في الزواج بين أختين، أو التزوج من زوجة والده بعد وفاته حيث كان يرثها من ضمن ما يرث عن أبيه.
ربما كان هذا الكلام صادما لبعض دعاة التحرر و الحداثيين و لكن أنا شخصيا أرى اليوم دعوات من هؤلاء أشد مما كان يحدث في الجاهلية إذ لم يجترأ أحد قديما على المطالبة بحرية الزواج و المثلية الجنسية.......
أعود للحديث عن الإسلام، فأقول أن الإسلام في واقع الأمر جاء محددا للزواج و لم يأتي معددا. فبعد تحريم جميع أشكال الزواج الجاهلي كالجمع بين الأختين و زواج الرجل بزوجة أبيه و زواج البضع..... حدد العدد الأقصى للزوجات بأربع و اشترط في الجمع بينهن العدل. و لنا في العدل قول ربما ساهم في إماطة اللثام على الكثير من الغموض يكتنف هذه المسألة. فالعدل في معاملة الزوجات صنفان. عدل مادي و عدل معنوي. أما العدل المادي فمقدور عليه و متاح و تفصيل الكلام فيه لا يضيف جديدا. أما العدل المعنوي، فهو مدار الفهم و هو المقصود بقول الله تعالى في القرآن " و لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء و لو حرصتم..." فالإستحالة هنا مؤكدة ب "لن الزمخشرية" التي تفيد الإستحالة المطلقة. و قد يبدو للوهلة الأولى تضارب بين إباحة تعدد الوجات من جهة و اشتراط العدل له و استحالة العدل من جهة أخرى. فيأتي الحل في الآية التي تليها بقول الله تعالى" فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة " و تحريم كل الميل يعني إباحة بعض الميل. و المقصود هنا بالميل العاطفي لزوجة دون بقية الزوجات. و هو كان حال النبي صلى الله عليه و سلم إذ كان يميل إلى السيدة عائشة أكثر من بقية زوجاته و كان هذا الأمر معلوما لهن جميعا. فالعدل المطلق في هذا المستوى مستحيل، و لذلك فقد أباح الله تعالى -و هو أدرى بعباده- بعض الميل دون أن يبلغ مستوى الإهمال المعنوي لبقية الزوجات بأن يتركهن معلقات...
نأتي الآن لتفصيل القول في هذا الموضوع على المستوى الواقعي بعد أن عرفنا حقيقته من وجهة نظر القانون الوضعي و التشريع الإسلامي.
و يحضرني في هذا المقام، مقال قرأته مؤخرا للأستاذ عبد الفتاح مورو يتحدث فيه عن ظاهرة الزواج العرفي لدى طائفة من الشباب الجامعي ممن ينتمون إلى التيار السلفي، و هو من وجهة نظره غير شرعي نظرا لإفتقاره لعنصرين أساسيين و هما الإشهار و الوليمة. و أنا و إن كنت أتفق معه في هذا المستوى إلا أن ما أثار دهشتي، هو تنويهه بمكاسب المرأة التونسية في ظل التشريعات الحديثة و يعني بذلك مجلة الأحوال الشخصية.
و قبل الخوض في هذه المجلة أريد أن أحلل الواقع بشيئ من العمق.
الزواج العرفي واقع ملموس و ظاهرة متفاقمة، و لكل ظاهرة أسبابها.
و سؤالنا بهذا الخصوص، ما هي الدوافع الحقيقية للجوء بعض الشباب لهذا الحل الذي يبدو في ظاهره زواج في حين أنه لا يعدو أن يكون زنا في ثوب جديد. في تقديري أن مسألة الإختلاط بين الجنسين في المعاهد و الجامعات، سبب أساسي في بروز هذه الظاهرة. في ظل غياب الوعي و ضعف الإيمان و قلة التجربة و طغيان المادة على حساب القيم، تكبر الشهوة في قلوب فئة غير قليلة من الشباب يغذيها هذا الإختلاط المفتقر لأدنى الضوابط الأخلاقية و الدينية. زد على ذلك سفور شق كبير من الفتيات في اللباس و السلوك عامة الأمر الذي يدفع بطالبي المتعة و الجائعين جنسيا للتفكير في إشباع هذا النهم مع اختلاف الأساليب. و الشباب المتدين في حقيقة الأمر لا يختلف كثيرا عن غير المتدينين و إن اختلفت الأساليب و المناهج فقد اتحدت الغاية و واقع الفساد في بلادنا لا يخفى على ذي نظر.
و مع الزواج العرفي، برز لدى التيار السلفي مفهوم جديد لعقد الزواج الذي لا يكون ضرورة عقد كتابي كما هو معروف لدينا بالصداق سواءا تم تحريره بواسطة عدلي إشهاد أو بواسطة ضابط الحالة المدنية. و صورة الحال أن يتم العرض و القبول في المسجد بحضور الإمام (شيخهم) و شهود و من ينوب على العروس و تلاوة سورة الفاتحة. و هذا العقد يسمونه بالعقد الشرعي. و بهذا التمشي الجديد، فلا مانع في تعدد الزوجات ما دام لا يخالف الشرع في نظرهم و لا يتعارض مع القانون الوضعي.......
و في الحقيقة، فإن ربط الزواج العرفي أو الزواج على خلاف الصيغ القانونية بالتيار السلفي، فيه إجحاف و ظلم في حقهم. فالواقع يشهد بتفشي هذا المنهج السلوكي لدى طائفة كبيرة من المجتمع المتدين منهم و غير المتدين و خاصة الذين يتوفر لديهم المال، في محاولة لتحدي القانون الوضعي المنصوص عليه بالفصل 18 من مجلة الأحوال الشخصية.
و نأتي الآن إلى الركن المحضور.لنعرض هذه المجلة على واقع الحال في بلادنا بموضوعية و عمق بعيدا عن التجاذبات السياسية و المصلحية الضيقة.
هذه المجلة طالما كانت محل فخر من العديد من الأحزاب و المنظمات و الجمعيات، على غرار جمعية أمهات تونس و جمعية النساء الديموقراطيات....و غيرها. و لنا أن نسأل أنفسنا، أحقا هؤلاء حريصون و حريصات على حقوق المرأة؟؟؟؟؟ واقع الحال ينبؤك بخلاف هذا. و أنا أقول صراحة أن تمسك هؤلاء بمجلة الأحوال الشخصية إنما الغرض منه تحقيق أكبر قدر من الحرية بمفهومها الهابط. كيف لا و هذه المجلة لا تحرم حراما و لا تحل حلالا...كيف و هذه المجلة تشرع للفساد و تعطيه الغطاء القانوني بحيث لا تثريب على من جمحت به شهواته لمعاشرة عدد غير محدود من النساء مع توفر الرضا و الرشد و غياب المقابل المادي. هذه المجلة لا تجرم الزنا إلا إذا كان الفعل بمقابل مادي أو وقع الفعل على قاصر أو بالإكراه. في ما عدى هذه الصور، لك أن تفعل ما تشاء. أما إذا تزوجت بثانية، فتلك هي الطامة الكبرى. في هذه الحالة يقع تجريمك و تسجن و تجبر على دفع غرامة مالية و تفتح عليك أبواب جهنم على مصارعها.
و أنا لا أريد أن يفهم من كلامي أنني أنادي بتعدد الزوجات و إن كان في الأمر بعض وجاهة، غير أن ما اردت لفت النظر إليه، هو هذا الواقع المتردي الذي وصلنا إليه. واقع الفساد الأخلاقي و واقع العنوسة لدى شق كبير من النساء و التأخر في سن الزواج بالنسبة للرجال. عدد لا يستهان به من الأمهات العزبوات و من الأطفال المجهولي النسب. عزوف عن الزواج من الشقين بسب ما توفر من الفرص لإشباع الرغبة الجنسية خارج مؤسسة الزواج بدون قيود من إنفاق المال و رعاية الأطفال و التنازل قصرا عن جزء من الحرية الشخصية لفائدة الأسرة.
التطبيق الأعمى للقانون، دون التعرض لكل حالة بمفردها، ادى بالبعض- ممن يبحثون عن الحلال في مواجهة واقع التشريعات اللادينية – إلى التحايل على القانون الشرعي بصور مختلفة منها توقيع الطلاق القانوني بنية الزواج بثانية ثم إرجاع الأولى شرعا و مواصلة المعاشرة مع الإثنين و الأمثلة عديدة. و الجدير بالذكر، أنتونس تسجل حاليا أعلى نسبة في حالات الطلاق مقارنة بباقي البلدان العربية و الإسلامية..
و إن كان ضمن فلسفة المشرع في مجلة الأحوال الشخصية، حماية الأسرة من التفكك و الإنهيار في صورة إقدام الزوج على الزواج بثانية أو ثالثة أو رابعة من جهة صعوبة الرعاية و العجز عن الإنفاق، فإن هذه الفلسفة بعينها أدت إلى حالات من التفكك و الإنهيار في الأسر يصعب حلها. و أنا لا أبالغ إن قلت أن نسبة أكثر من 90 بالمائة من الأزواج، يواصلون المعاشرة مرغمين و قد انتهى بينهم كل شيئ من مقومات الزواج و لم يبق من رابط سوى الأطفال...
و ماذا عن أولئك الذين تتوفر لديهم القدرة على الإنفاق و المعاشرة لأكثر من زوجة مع جموح الشهوة و عدم توفر الإشباع؟؟؟؟ ماذا عن هؤلاء؟؟؟؟ أليس من حقهم الزواج؟ ألا يوفر ذلك فرصة للفتيات غير المتزوجات بالزواج و الإنجاب و الإستقرار؟؟؟؟
ليس في الأمر سلب للحرية أو هضم لأي حق. فمن رغب في الزواج و وجد من تقبل به زوجا مع وجود الزوجة الأولى فله ذلك. و من أراد التمسك بزوجته الأولى و رفض الزواج بأخرى فله ذلك. و من ترفض الزواج برجل متزوج أيضا لها مطلق الحرية. و أنا ارى أن هذا الموضوع طرح بشكل خاطئ منذ ما يزيد عن خمسين سنة و ما زال الخطأ مستمرا حتى توهم البعض أنه مكسب و أسالوا المداد في الدفاع عنه مع أن المشكل أساسا غير مطروح إلا في أذهان بعض المتنطعين و المتشدقين بحقوق المرأة و حريتها....عن جهل أو عن سوؤ نية.
و السؤال الآن، إن كان هذا التشريع قد جاء ضمن سياسة بورقيبية علمانية مناهضة للدين، تؤمن بتعرية المرأة كمظهر من مظاهر الحرية و تعتبره مكسبا مدنيا. و أمام تفاقم ظاهرة الحجاب و النقاب في الشارع التونسي و في المؤسسات و بروز ظاهرة الزواج العرفي كشكل من أشكال التحدي لهذا التشريع و في ظل تفاقم واقع العنوسة و الفساد الأخلاقي و تفتح المجتمعات على بعضها و التقارب الملحوظ بين تونس ما بعد الثورة و محيطها العربي و الإسلامي.... هل من مشروعية لهذا القانون الذي ظل جاثما على صدورنا أكثر من خمسة عقود...ربما سمح لنا سبر الأراء في هذا الموضوع استجلاء الحقيقة و ربما أدركنا أن أكثر شريحة ستطالب بإلغاء هذا التشريع هي شريحة النساء.......
كريم ابو اليزيد
01287777888
ثالثا:هل يسمح القانون
الجزائرى بتعدد الزوجات؟؟
أثار قرار محكمة النقض
الصادر بتاريخ 23/6/2015في الملف الشرعي عدد 276/2/1/2015 حيث استجابت المحكمة
لطلب الزوج الراغب في التعدد لأن زوجته الأولى لم تلد الا البنات وهو راغب في
انجاب ولد ذكر واعتبرت محكمة النقض بأن ذلك يشكل سببا موضوعيا واستثنائية يبرر
التعدد ...أقول أثار هذا القرار ردود فعل متباينة عبر وسائل الاتصال الحديثة خاصة
بعض المنابر الالكترونية وعبر صفحات التواصل الاجتماعي
وأود
المشاركة في هذا النقاش لعدة اعتبارات منها:
تتبعي للعمل القضائي في المجال الأسري ومواكبتي لإجتهادات محاكم الموضوع ومحكمة النقض بشأن المنازعات الأسرية حيث أصدرت في السنوات الأخيرة مجموعة من المؤلفات التي ترصد بعض الاجتهادات القضائية الصادرة عن بعض أقسام قضاء الأسرة وكذا بعض القرارات الصادرة عن محاكم الإستيناف وكذا بعض مواقف محكمة النقض لما للقضاء من دور محوري في البحث عن الحلول المناسبة سواء بالصلح أو الانهاء أو الرقابة أو منح بعض الأذون ...الخ حيث اصبح القضاء يضطلع بأدوار مختلفة وأساسية سواء عند قيام الرابطة الزوجية او عند انحلالها تحقيقا للأهداف التي رسمها المشرع في نصوص مدونة الأسرة والمتمثلة أساسا في انصاف المرأة وحماية حقوق الطفل وصيانة كرامة الرجل .
ان النصوص القانونية مهما كانت محكمة في صياغتها فإنها تظل مع ذلك جامدة بدون روح ويبقى للقاضي صلاحية اسقاط النص على الوقائع والنوازل بما يتلائم وواقع الحال وهو أمر ينطبق في المقام الأول على القضايا الأسرية باعتبار الدعوى المقامة تتميز بخصوصية لا نجدها في الدعاوي المدنية الأخرى لأنها تمس الخلية الأولى في المجتمع في صلاحها صلاحه وفي فسادها فساده – لا قدر الله – وبالتالي فمصلحة الأسرة من مصلحة المجتمع .
العمل القضائي عمل بشري يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ والغاية من نشر الأحكام القضائية هو اطلاع المتقاضين وعموم الناس على النصوص والحيثيات والأسانيد التي تم اعتمادها في إصدار الحكم ...وعملية تقييم العمل القضائي يخضع للضوابط المنهجية المتعارف عليها في تحليل وتأصيل ومناقشة الاجتهادات القضائية ان موضوع تعدد الزوجات من أكثر المواضيع اثارة للجدل على صعيد الفقه ، وتباين مواقف التشريعات العربية والاسلامية ، وتعميما للفائدة سأتعرض بداية لمختلف الأحكام التي تؤطر موضوع التعدد في ظل مدونة الأسرة المغربية مستعرضا مجموعة من الأحكام والقرارات الصادرة عن المحاكم بمنح الترخيص بالتعدد أو برفضه ( الفقرة الأولى ) ، ثم أتعرض للموقف الذي اتخذته محكمة النقض والمتمثل في اعتباررغبة الزوج في انجاب ولد ذكر لأن زوجته الأولى لا تلد الا البنات ظرفا موضوعيا واستثنائيا يبرر التعدد الفقرة الثانية )
الفقرة الأولى : الأحكام العامة لتعدد الزوجات في مدونة الأسرة على ضوء العمل القضائي
لا يجوز للرجل أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات في وقت واحد، فليس له أن يتزوج بخامسة حتى يفترق عن إحداهن بالطلاق أو الوفاة، فإذا تم ذلك حلت له المرأة المراد الزواج بها لزوال مانع الزواج الذي هو مانع مؤقت، وهذا ما نصت عليه صراحة الفقرة الثانية من المادة 39 من مدونة الأسرة: " يمنع الزيادة في الزوجات على القدر المسموح به شرعا."
وقد تشعبت الآراء حول مسألة تعدد الزوجات بين مؤيد ومعارض، وانعكس ذلك على موقف التشريعات العربية والإسلامية إذ وجدناها متباينة ومختلفة حول الموضوع، ويمكن إجمالا حصرها في ثلاثة مواقف أساسية: موقف يأخذ بنظام تعدد الزوجات مطلقا دون قيد أو شرط، وموقف يأخذ بنظام التعدد ولكن مع تقييده ببعض القيود والشروط، وموقف آخر يحرم نهائيا ممارسة تعدد الزوجات ويعتبر ذلك جريمة معاقبا عليها
حالات إذن المحكمة بالتعدد
نصت المادة 42 من مدونة الأسرة على أنه: "في حالة عدم وجود شرط الامتناع عن التعدد، يقدم الراغب طلب الإذن بذلك إلى المحكمة.
يجب أن يتضمن الطلب بيان الأسباب الموضوعية الاستثنائية المبررة له، وأن يكون مرفقا بإقرار عن وضعيته المادية".
ويمكن القول بناء على النص السابق بأن الراغب في التعدد يشترط سماع طلبه ودراسته ، وبعد ذلك تقرير المحكمة منح الإذن أو عدم منحه بالتعدد بعد التأكد من عدم وجود شرط الامتناع عن التعدد ما يأتي:
ـ يجب على الراغب في التعدد أن يقدم طلبا إلى المحكمة يعرب فيه عن رغبته في التزوج بثانية، في شكل مقال مكتوب و موقع عليه من طرف طالبه، ويجب أن يتضمن كل البيانات المتعلقة بهوية الأطراف وموطن أو محل إقامتهم و الوقائع، كالإشارة إلى مراجع عقد الزواج المراد التزوج عليها، بالإضافة إلى كل المستندات التي تعزز طلب الإذن بزواج التعدد.
ـ يجب أن يوضح في الطلب جميع الأسباب الموضوعية وليست الشخصية وكذا جميع المبررات الأخرى التي يرى فائدة في إيرادها لتدعيم طلبه لإقناع المحكمة.
كأن يستند في طلبه على مرض الزوجة للحصول على إذن بالتعدد كما هو الحال في العديد من الأحكام القضائية التي اعتبرت أن مرض الزوجة مبررا موضوعيا استثنائيا من أجل التعدد، غير أن نوع هذا المرض يختلف من حكم لآخر، فقد ذهب اتجاه قضائي إلى اعتبار عدم قدرة الزوجة على الحركة وفقدان بصرها يشكل سببا موضوعيا لمنح الإذن بالتعدد[41]، كما جاء في حكم آخر صادر عن ابتدائية وجدة[42] على أن مرض الزوجة بمرض الصرع والذي يجعلها غير قادرة على رعاية شؤون المنزل مبررا موضوعيا يوجب الاستجابة لطلب منح الإذن بالتعدد.
كما جاء في حكم آخر: "وحيث استند المدعي في طلبه على كون زوجته مصابة بمرض السكري ويتعذر عليها القيام بواجباتها الزوجية وهو ما أكدته المدعى عليها بجلسة البحث.
وحيث إن إصابة الزوجة بالمرض المذكور تجده المحكمة مبررا موضوعيا استثنائيا يعطي للزوج الحق في التعدد"[43].
وقد يؤسس الطالب دعواه على أساس إخلال الزوجة بواجب المساكنة الشرعية، كما هو الحال بالنسبة للحكم الصادر عن ابتدائية بالعيون[44] والذي جاء فيه ما يلي:"وحيث ثبت للمحكمة بعد المناقشة موافقة الزوجة للطالب على التعدد، ولم تعارض في طلبه ولم تقيده بشروط، خاصة و أنها تعاني مرضا يمنعها من معاشرة زوجها و تقوم بتصفية الكلي، و حيث أنه تبعا لذلك ثبت لهيئة المحكمة توفر المبرر الموضوعي الاستثنائي للتعدد ...".
كما اعتبر حكم آخر عدم قدرة الزوجة على القيام بوظيفتها الجنسية مبررا يمنح للزوج الحق في التعدد ومما جاء فيه "وحيث أفاد طالب التعدد أنه أضحى محروما من المعاشرة الزوجية نفسيا وعضويا منذ سنة 2004، وأنه أضحى يخشى على نفسه الفتنة، وحيث أكدت الزوجة هذا التصريح وأفادت أن المعاشرة الزوجية بينها وبين زوجها قد انعدمت منذ 2004، وبأنها تقبل بالتعدد حماية لحقوقه الشرعية، وحيث إن تأكيد الزوجة لأقوال زوجها يرقى إلى درجة المبرر الموضوعي الاستثنائي للتعدد، باعتبار أن أهم أثر يترتب على عقد الزواج الصحيح هو المساكنة الشرعية بما تستوجبه من معاشرة زوجية وإحصان كل واحد من الزوجين للآخر بلزوم العفة وصيانة العرض والنسل".[45]
كما جاء في حكم آخر:"وحيث صرح الطالب بجلسة البحث المنعقدة بتاريخ 26/07/2011 بأن سبب طلب التعدد يرجع إلى كون زوجته مصابة بأمراض مزمنة تمنعها من القيام بواجباتها الزوجية وهو ما أقرت به هذه الأخيرة، وبذلك يكون قد ثبت للمحكمة المبرر الموضوعي الاستثنائي لطلب التعدد"[46].
وهذا ما أكده حكم آخر جاء فيه: "وحيث إنه طالما أن الزوجة وافقت للطالب على التعدد ولم تعارض في طلبه ولم تقيده بشروط لفائدتها، خاصة وانها أكدت فعلا أنها تعاني مرضا يمنعها من معاشرة زوجها وهو الأمر الثابت أيضا من خلال الشهادة الطبية المرفقة بالملف، كما أن توفر مريد التعدد على الموارد الكافية لإعالة الأسرتين يجعل الطلب قد استجمع الشروط القانونية التي تستلزمها المادة 41 من مدونة الأسرة، وبالتالي يبقى وجيها وجديرا بالاستجابة له"[47].
كما قد يشكل عقم الزوجة سببا في منح الإذن بالتعدد حيث جاء في أحد الأحكام على أنه: "وحيث تبين للمحكمة أن سبب طلب التعدد هو كون الزوجة عاقر حسب الثابت من تصريحات الطرفين كما تبين أن الزوجة توافق لزوجها على التعدد بمحض إرادتها واختيارها ....وحيث تبعا لما ذكر يكون الطلب مؤسس واقعا واقعا وقانونا ويتعين الاستجابة له"[48].
وفي نفس التوجه صار حكم صادر عن قضاء الأسرة بوجدة جاء فيه: "وحيث ثبت للمحكمة خلال جلسة البحث ما أسس عليه المدعي طلبه من كون زوجته لم تنجب خلال فترة زوجهما التي دامت قرابة خمس سنوات، وذلك بعد أن أكدت المدعى عليها أن لا أولاد لهما وأنها تخضع للعلاج....وبذلك يكون الطلب قد استجمع الشروط القانونية التي تستلزمها المادة 41 من مدونة الأسرة ويبقى وجيها وجديرا بالاستجابة له"[49].
كما جاء في حكم آخر على أنه: "وحيث أدلى الطالب بترجمة للغة العربية لإحدى الشواهد الطبية المدلى بها والتي مفادها أن زوجته الأولى سيتم استئصال رحمها، مما يتأكد معه أن يتعذر عليها الإنجاب...
وحيث تبعا لذلك فإنه يتبين للمحكمة أن الطالب قد استوفى شروط التعدد المنصوص عليها قانونا مما ارتأت معه الاستجابة لطلبه سيما وأن زوجته الأولى لا تمانع في زواجه"[50].
كما قد يشكل كبر سن الزوجة مبررا موضوعيا واستثنائيا لمنح الإذن بالتعدد حيث جاء في أحد الأحكام على أنه: "وحيث برر مريد التعدد الأسباب التي ألجأته لتقديم طلبه بكون زوجته المراد التزوج عليها كبيرة في السن ولم تعد قادرة على القيام بشؤون الحياة الزوجية.
وحيث إن المرأة المراد التزوج عليها عند الاستماع إليها من طرف المحكمة بجلسة 13/05/2005 أبدت موافقتها لزوجها بالتعدد بسبب ظروفها الصحية وكبر سنها.
وحيث إنه بناء على ما ذكر فإن المبرر الموضوعي الاستثنائي الذي يبيح للطالب التعدد يكون متوفرا في نازلة الحال"[51].
كما قد يشكل سفر الزوجة مبررا موضوعيا تؤسس عليه المحكمة حكمها، أو رغبة الزوج في إرجاع مطلقته والتي أنجب منها أبناء[52]، أو عقم الزوجة[53] والذي كلما ثبت للمحكمة إلا واعتبرته مبررا موضوعيا استثنائيا يتوجب على المحكمة الأخذ به.
وفي هذا الصدد ذهب قسم قضاء الأسرة بالرباط إلى اعتبار كون المدعى عليها (الزوجة) تسافر باستمرار خارج أرض الوطن وتمكث مدة طويلة مع أبنائها القاطنين هناك، مبرر يشفع للزوج في الإذن له بالتعدد حيث جاء في تعليلات هذا الحكم: "وحيث إن المدعي أرفق طلبه بالوثائق التي تثبت وضعيته المادية لتحقيق العدل المطلوب وأن السبب الذي استند عليه لتبرير طلبه وجيه، مما قررت معه المحكمة الاستجابة لطلبه"[54].
كما أن إرجاع الزوجة من زواج سابق يعتبر مبررا موضوعيا للإذن بالتعدد حيث جاء في أحد الأحكام على أنه: "وحيث إن هذه المحكمة بعد إطلاعها على وثائق الملف والحكم المطعون فيه ودراستها لأسباب الطعن ثبت لها صحة ما نعاه المستأنف عن الحكم المستأنف ذلك أن طالب التعدد أسس طلبه الرامي إلى التعدد على كونه يرغب في إرجاع مطلقته من زواج سابق لجمع شمل أسرته لكونه له معها ولد واحد"[55].
كما قد يؤسس طالب التعدد طلبه على الخوف من الوقوع في الرذيلة والزنا وهذا ما ذهب إليه أحد القرارات جاء فيه: "وحيث إن خوف الطاعن من الوقوع في الزنا يشكل مبررا موضوعيا وسببا مشروعا للتعدد طالما أن الزوجة الأولى قد أبدت قضاء موافقتها وليس بالملف ما يفيد إخلال الطاعن بحقوقها وواجباتها.
وحيث بذلك يكون ما ذهب إليه الحكم الابتدائي قد شابه التعسف وجانب الصواب مما يتعين معه إلغاءه والتصدي له بالحكم وفق الطلب"[56].
والملاحظ على هذا القرار أنه ألغى الحكم الابتدائي الذي اعتبر تأسيس طلب الإذن بالتعدد بدعوى الخوف من الزنا ليس مبررا موضوعيا واستثنائيا، قد جانب الصواب، حيث يجب عدم اعتبار الخوف من الزنا سببا مبررا للتعدد، لأن ذلك قد يؤدي إلى فتح المجال لكل راغب في التعدد لا يسعفه إثبات المبرر الموضوعي والاستثنائي بتأسيس طلبه على هذا الأمر.
ـ يجب أن يقدم كل ما يثبت وضعيته المالية لترى المحكمة بعد ذلك ما إذا كانت هذه الوضعية تسمح للراغب في التعدد بفتح بيت أخرى وقدرته على المصاريف والنفقات الناجمة عن ذلك.
وهذا المؤشر لوحده لا يكفي ليبرر التعدد بل لابد من وجود المؤشر الثاني والأساسي لمنح الإذن بالتعدد وهو الأسباب الموضوعية الاستثنائية.
وهكذا جاء في أحد الأحكام القضائية على أنه: " وحيث إنه وبعد الاطلاع على دخل الزوج المقدر في (72000) درهما سنويا كل ذلك دفع المحكمة إلى أن تستجيب للطلب"[57].
كما جاء في حكم قضائي:"... وحيث ثبت للمحكمة ... توفره على دخل كاف لإعالة الأسرتين بناء على إدلاءه بمقتطف من حسابه البنكي يفيد ذلك، وطبقا للعلل أعلاه يكون الطلب قد استوفى شروطه المبررة للتعدد مما يتعين الاستجابة له..."[58]، وجاء في حكم آخر: "... وحيث أنه... أدلى المدعي بمجموعة وثائق لإثبات عمله لاسيما لصورة شمسية المصادق عليها من قرار استغلال رخصة مقهى وشهادة التزام بالدخل، وشهادة إدارية أخرى... تفيد كونه يملك 12 هكتار من بلاد بور و4 هكتارات من بلاد سقوية و8000 شجرة زيتون و6 رؤوس من البقر و50 رأس من الغنم ... فقررت الاستجابة له.."[59]
وفي حالة الإذن بالتعدد فإنه لا يتم العقد على المراد التزوج بها إلا بعد إشعارها من طرف القاضي بأن مريد الزواج بها متزوج بغيرها ورضاها بذلك، ويضمن هذا الإشعار والتعبير عن الرضى في محضر رسمي (المادة 46).
ج ـ حقوق الزوجة المراد التزوج عليها (الزوجة الأولى):
صونا لكرامة الزوجة المراد التزوج عليها ضمنت مواد مدونة الأسرة حقوق هذه الزوجة من خلال المقتضيات التالية:
1 ـ استدعاء المحكمة للزوجة المراد التزوج عليها للحضور من أجل معرفة رغبة زوجها في التزوج عليها طبقا للمادة 43، وفي حالة عدم الحضور أو امتناعها عن الحضور رغم الدعوة الموجهة إليها من طرف محكمة الأسرة أو امتنعت من تسلم الاستدعاء فإن المحكمة توجه إليها عن طريق عون كتابة الضبط إنذارا تشعرها فيه بأنها إذا لم تحضر في الجلسة المحدد تاريخها في الإنذار فسيبت في طلب الزوج في غيابها، وطبقا لذلك فقد ذهبت المحكمة الابتدائية بالرباط[60] إلى أنه "بناء على تخلف المدعى عليها رغم سابق توصلها وحيث تخلفت المدعى عليها عن الحضور ورغم استدعائها... حيث أثبت المدعي المبرر الموضوعي الاستثنائي للتعدد يبقى طلبه للتعدد مؤسسا ويتعين الاستجابة له".
كما يمكن البت في الطلب في غيبة الزوجة المراد التزوج عليها إذا أفادت النيابة العامة تعذر الحصول على موطن أو محل إقامة يمكن استدعاؤها فيه.
أما في حالة حضور الزوجة فإن المحكمة تقوم بالاستماع إلى تصريحاتها وملاحظاتها بخصوص طلب زوجها، ولا يخفى أن الاستماع إلى تصريحات الطرفين يعد مسألة جد هامة تساعد في تكوين قناعة المحكمة، فبناء على ما تم التصريح به خلال جلسة البحث تستنتج المحكمة موقف الزوجة من حيث موافقتها أو ممانعتها في الإذن لزوجها بالتعدد، كما يمكن لها أن تناقش المبرر الموضوعي الاستثنائي مع هذه الزوجة لتعطي وجهة نظرها.
فالحضور الشخصي للزوجة ولطالب التعدد يساعد المحكمة على إجراء محاولة الصلح للتوفيق بين الزوجين والإصلاح بينهما، والذي تعتمد فيه على جميع الوسائل التي تراها ملائمة، فيمكن أن تنتدب حكمين من أجل الإصلاح بين الطرفين، كما قد تكتفي بمحاولة الصلح التي تقوم بها بجلسة البحث، فإما أن يعدل الزوج عن طلبه بالتعدد أو أن تسمح له الزوجة بذلك، أو يبقى الخلاف بينهما قائما.
ـ مدونة الأسرة توفر الحماية للزوجة المراد التزوج عليها في حالة إقدام الزوج على تضليل العدالة عند تقديمه بسوء نية لعنوان غير صحيح أو تحريف في اسم الزوجة، حيث تطبق على الزوج عقوبة جنائية ويخضع لمقتضيات الفصل 361[61] من القانون الجنائي بناء على طلب من الزوجة المتضررة (المادة 43 الفقرة الثالثة).
ـ إذا أصرت الزوجة المراد التزوج عليها على المطالبة بالتطليق وثبت للمحكمة من خلال المناقشات تعذر استمرار العلاقة الزوجية فإن المحكمة تضمن للزوجة ولأولادها جميع حقوقها المالية، بحيث تلزم المحكمة الزوج بإيداع المبلغ المحدد داخل أجل سبعة أيام، وعدم إيداع هذا المبلغ داخل هذا الأجل يعتبر تراجعا عن طلب الإذن بالتعدد.
ـ تستجيب المحكمة لطلب الزوجة المراد التزوج عليها بمجرد إيداع المبلغ المالي بالتطليق، ويعتبر هذا الحكم نهائيا غير قابل لأي طعن في جزئه المتعلق بإنهاء العلاقة الزوجية.
إذا تمسك الزوج بطلب الإذن بالتعدد، ولم توافق الزوجة المراد التزوج عليها، ولم تطلب التطليق طبقت المحكمة تلقائيا مسطرة الشقاق المنصوص عليها في المواد 94 إلى 97 بعده (الفقرة الأخيرة من المادة 45)..
هذا المقتضى دفع محكمة النقض إلى اقتراح تعديل له يعطي الحق للزوجة حرية الاختيار في اللجوء للشقاق وألا تجبرها المحكمة على اللجوء إليه وبذلك يصبح حق للزوجة المراد التزوج عليها بأن تلتجئ إلى مسطرة الشقاق المنصوص عليها في المواد من 94 إلى 97 من مدونة الأسرة، إذا اختلفت مع زوجها في التعدد بحيث لم تقبل به بينما أصر هو على طلبه.[62]
ثالثا: الطبيعة القانونية لطلب الإذن بالتعدد و الجهة المختصة للنظر فيه.
لقد أشارت مدونة الأسرة من خلال المادة 42 منها على أن طلب الإذن بالتعدد يقدم إلى المحكمة في هيئتها الجماعية، لكن ما ينبغي الإشارة له في هذا الصدد وهو أن المشرع المغربي لم يوضح الإجراءات المسطرية التي تحكم تقديم طلب الحصول على الإذن بالتعدد، بالإضافة إلى عدم تحديده للمحكمة المختصة للنظر فيه.
كل ذلك يحتم علينا الرجوع إلى القواعد العامة في قانون المسطرة المدنية، وما تضمنته مدونة الأسرة من أجل تحديد الطبيعة القانونية لطلب الإذن بالتعدد (1) والجهة المختصة بالنظر في منح الإذن بالتعدد(2).
الطبيعة القانونية لطلب الإذن بالتعدد
من خلال استقراء المواد المؤطرة لمنح الإذن بالتعدد في مدونة الأسرة، نستشف على أنه لم تتم فيها الإشارة إلى الطبيعة القانونية لطلب الإذن بزواج التعدد، بالإضافة إلى أنها لم توضح بالدقة المطلوبة الإجراءات المنظمة لرفع هذا الطلب، إلا ما تم التنصيص عليه في المادة 42 من مدونة الأسرة، إلا أنه مع ذلك فهذه المادة لا تسعف في معرفة الطبيعة القانونية لهذا الطلب.
وقد ذهب أحد الفقه القانوني[63] إلا أنه يجب اعتبار طلب الإذن بزواج التعدد بمثابة دعوى قضائية حقيقية ترفع من طرف الراغب في الحصول على الإذن بالتعدد في مواجهة زوجته الحالية، كما أنه قد ينشأ عنها دعاوى أخرى سواء بطلب من الزوجة والمتمثل في طلب التطليق، أو تطبيق مسطرة الشقاق تلقائيا من طرف المحكمة، وهذه الحالة الأخيرة تتحقق في الحالة التي يتم فيها إصرار الزوج على منحه الإذن بالتعدد، وعدم الاستجابة له من طرف زوجته المراد التزوج عليها.
وأعتقد أن هذا التوجه صائب، خصوصا إذا علمنا بأن المادة 41 من مدونة الأسرة أوجبت على الزوج بأن يثبت المبرر الموضوعي والاستثنائي، بالإضافة إلى الموارد الكافية لإعالة الأسرتين، زيادة على إرفاق طلبه بمستندات من أجل إثبات ادعائه.
وبما أن الإذن بزواج التعدد عنصر أساسي من عناصر ملف عقد الزواج حسب المادة 65 من مدونة الأسرة، تمليه ضرورة التأكد من وضعية الزوج بخصوص ذلك، فإن محكمة الموضوع تبت في هذا الطلب في غرفة المشورة التي يجري فيها التداول بكيفية غير علنية وبهيئة جماعية[64]، بحيث تكون للمحكمة السلطة التقديرية الواسعة في قبول الطلب أو رفضه حسب مدى توفر شروط التعدد من عدمها، واقتناع محكمة الموضوع بها، إلا إذا كان هناك شرط من الزوجة بعدم التزوج عليها حسب المادة 40 من مدونة الأسرة، لأنه في هذه الحالة يتم تقييد المحكمة نهائيا في منحها للإذن بالتعدد.
وهذا الشرط يصبح ملزما لمن التزم به حسب الفقرة الأولى من المادة 48 من مدونة الأسرة بالرغم من الاستثناء الذي وضعه المشرع المغربي بإسقاط الشرط إذا كان مرهقا إذ في هذه الحالة يمكن للراغب في الزواج بالتعدد أن يتقدم بطلب للإذن بذلك من طرف المحكمة المختصة[65].
لكن يبقى أهم إجراء جاءت به مدونة الأسرة وهو أنه بمجرد إيداع طلب الإذن بالتعدد لدى المحكمة، فإن أول إجراء تقوم به هذه الأخيرة هو استدعاء الزوجة المراد التزوج عليها للحضور، ليتم مناقشة الطلب المقدم من طرف الزوج المريد التعدد للحضور في غرفة المشورة من أجل أن يتم مناقشة ذلك الطلب[66] .
وتعتبر هذه الإجراءات من بين الإجراءات التي تحكم الدعاوى في المسطرة المدنية، طبقا للقواعد العامة، مما يمكننا القول على أن تقديم طلب الإذن بالتعدد تحكمه الإجراءات العادية التي تحكم الطلبات القضائية كما ينظمها هذا القانون والمتمثل في المسطرة المدنية.[67]
وبناء على ذلك تجدر الإشارة إلى أن الإذن بالتعدد يصدر عن المحكمة في إطار سلطتها القضائية وليست في إطار سلطتها الولائية، كما هو الحال بالنسبة للإذن الصادر عن قاضي الأسرة المكلف بالزواج[68].
وطبقا لما سبق ذكره فإن طلب الإذن بزواج التعدد يخضع للضوابط التي تحكم رفع الدعوى في قانون المسطرة المدنية سواء من خلال ضرورة التوفر على شروط رفع الدعوى والمتمثلة في الصفة والمصلحة والأهلية[69] أو من خلال احترام الشكل و البيانات التي يجب أن تتوفر في الطلب الذي يقدم إلى المحكمة.
وزيادة على ذلك يجب احترام المقتضيات المنصوص عليها في مدونة الأسرة والمتمثلة في الأسباب الموضوعية الإسثنائية المبررة لرفع هذا الطلب بالإضافة إلى الوضعية المادية، والتي أشار لها المشرع المغربي في المادة 42 من مدونة الأسرة.
تتبعي للعمل القضائي في المجال الأسري ومواكبتي لإجتهادات محاكم الموضوع ومحكمة النقض بشأن المنازعات الأسرية حيث أصدرت في السنوات الأخيرة مجموعة من المؤلفات التي ترصد بعض الاجتهادات القضائية الصادرة عن بعض أقسام قضاء الأسرة وكذا بعض القرارات الصادرة عن محاكم الإستيناف وكذا بعض مواقف محكمة النقض لما للقضاء من دور محوري في البحث عن الحلول المناسبة سواء بالصلح أو الانهاء أو الرقابة أو منح بعض الأذون ...الخ حيث اصبح القضاء يضطلع بأدوار مختلفة وأساسية سواء عند قيام الرابطة الزوجية او عند انحلالها تحقيقا للأهداف التي رسمها المشرع في نصوص مدونة الأسرة والمتمثلة أساسا في انصاف المرأة وحماية حقوق الطفل وصيانة كرامة الرجل .
ان النصوص القانونية مهما كانت محكمة في صياغتها فإنها تظل مع ذلك جامدة بدون روح ويبقى للقاضي صلاحية اسقاط النص على الوقائع والنوازل بما يتلائم وواقع الحال وهو أمر ينطبق في المقام الأول على القضايا الأسرية باعتبار الدعوى المقامة تتميز بخصوصية لا نجدها في الدعاوي المدنية الأخرى لأنها تمس الخلية الأولى في المجتمع في صلاحها صلاحه وفي فسادها فساده – لا قدر الله – وبالتالي فمصلحة الأسرة من مصلحة المجتمع .
العمل القضائي عمل بشري يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ والغاية من نشر الأحكام القضائية هو اطلاع المتقاضين وعموم الناس على النصوص والحيثيات والأسانيد التي تم اعتمادها في إصدار الحكم ...وعملية تقييم العمل القضائي يخضع للضوابط المنهجية المتعارف عليها في تحليل وتأصيل ومناقشة الاجتهادات القضائية ان موضوع تعدد الزوجات من أكثر المواضيع اثارة للجدل على صعيد الفقه ، وتباين مواقف التشريعات العربية والاسلامية ، وتعميما للفائدة سأتعرض بداية لمختلف الأحكام التي تؤطر موضوع التعدد في ظل مدونة الأسرة المغربية مستعرضا مجموعة من الأحكام والقرارات الصادرة عن المحاكم بمنح الترخيص بالتعدد أو برفضه ( الفقرة الأولى ) ، ثم أتعرض للموقف الذي اتخذته محكمة النقض والمتمثل في اعتباررغبة الزوج في انجاب ولد ذكر لأن زوجته الأولى لا تلد الا البنات ظرفا موضوعيا واستثنائيا يبرر التعدد الفقرة الثانية )
الفقرة الأولى : الأحكام العامة لتعدد الزوجات في مدونة الأسرة على ضوء العمل القضائي
لا يجوز للرجل أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات في وقت واحد، فليس له أن يتزوج بخامسة حتى يفترق عن إحداهن بالطلاق أو الوفاة، فإذا تم ذلك حلت له المرأة المراد الزواج بها لزوال مانع الزواج الذي هو مانع مؤقت، وهذا ما نصت عليه صراحة الفقرة الثانية من المادة 39 من مدونة الأسرة: " يمنع الزيادة في الزوجات على القدر المسموح به شرعا."
وقد تشعبت الآراء حول مسألة تعدد الزوجات بين مؤيد ومعارض، وانعكس ذلك على موقف التشريعات العربية والإسلامية إذ وجدناها متباينة ومختلفة حول الموضوع، ويمكن إجمالا حصرها في ثلاثة مواقف أساسية: موقف يأخذ بنظام تعدد الزوجات مطلقا دون قيد أو شرط، وموقف يأخذ بنظام التعدد ولكن مع تقييده ببعض القيود والشروط، وموقف آخر يحرم نهائيا ممارسة تعدد الزوجات ويعتبر ذلك جريمة معاقبا عليها
حالات إذن المحكمة بالتعدد
نصت المادة 42 من مدونة الأسرة على أنه: "في حالة عدم وجود شرط الامتناع عن التعدد، يقدم الراغب طلب الإذن بذلك إلى المحكمة.
يجب أن يتضمن الطلب بيان الأسباب الموضوعية الاستثنائية المبررة له، وأن يكون مرفقا بإقرار عن وضعيته المادية".
ويمكن القول بناء على النص السابق بأن الراغب في التعدد يشترط سماع طلبه ودراسته ، وبعد ذلك تقرير المحكمة منح الإذن أو عدم منحه بالتعدد بعد التأكد من عدم وجود شرط الامتناع عن التعدد ما يأتي:
ـ يجب على الراغب في التعدد أن يقدم طلبا إلى المحكمة يعرب فيه عن رغبته في التزوج بثانية، في شكل مقال مكتوب و موقع عليه من طرف طالبه، ويجب أن يتضمن كل البيانات المتعلقة بهوية الأطراف وموطن أو محل إقامتهم و الوقائع، كالإشارة إلى مراجع عقد الزواج المراد التزوج عليها، بالإضافة إلى كل المستندات التي تعزز طلب الإذن بزواج التعدد.
ـ يجب أن يوضح في الطلب جميع الأسباب الموضوعية وليست الشخصية وكذا جميع المبررات الأخرى التي يرى فائدة في إيرادها لتدعيم طلبه لإقناع المحكمة.
كأن يستند في طلبه على مرض الزوجة للحصول على إذن بالتعدد كما هو الحال في العديد من الأحكام القضائية التي اعتبرت أن مرض الزوجة مبررا موضوعيا استثنائيا من أجل التعدد، غير أن نوع هذا المرض يختلف من حكم لآخر، فقد ذهب اتجاه قضائي إلى اعتبار عدم قدرة الزوجة على الحركة وفقدان بصرها يشكل سببا موضوعيا لمنح الإذن بالتعدد[41]، كما جاء في حكم آخر صادر عن ابتدائية وجدة[42] على أن مرض الزوجة بمرض الصرع والذي يجعلها غير قادرة على رعاية شؤون المنزل مبررا موضوعيا يوجب الاستجابة لطلب منح الإذن بالتعدد.
كما جاء في حكم آخر: "وحيث استند المدعي في طلبه على كون زوجته مصابة بمرض السكري ويتعذر عليها القيام بواجباتها الزوجية وهو ما أكدته المدعى عليها بجلسة البحث.
وحيث إن إصابة الزوجة بالمرض المذكور تجده المحكمة مبررا موضوعيا استثنائيا يعطي للزوج الحق في التعدد"[43].
وقد يؤسس الطالب دعواه على أساس إخلال الزوجة بواجب المساكنة الشرعية، كما هو الحال بالنسبة للحكم الصادر عن ابتدائية بالعيون[44] والذي جاء فيه ما يلي:"وحيث ثبت للمحكمة بعد المناقشة موافقة الزوجة للطالب على التعدد، ولم تعارض في طلبه ولم تقيده بشروط، خاصة و أنها تعاني مرضا يمنعها من معاشرة زوجها و تقوم بتصفية الكلي، و حيث أنه تبعا لذلك ثبت لهيئة المحكمة توفر المبرر الموضوعي الاستثنائي للتعدد ...".
كما اعتبر حكم آخر عدم قدرة الزوجة على القيام بوظيفتها الجنسية مبررا يمنح للزوج الحق في التعدد ومما جاء فيه "وحيث أفاد طالب التعدد أنه أضحى محروما من المعاشرة الزوجية نفسيا وعضويا منذ سنة 2004، وأنه أضحى يخشى على نفسه الفتنة، وحيث أكدت الزوجة هذا التصريح وأفادت أن المعاشرة الزوجية بينها وبين زوجها قد انعدمت منذ 2004، وبأنها تقبل بالتعدد حماية لحقوقه الشرعية، وحيث إن تأكيد الزوجة لأقوال زوجها يرقى إلى درجة المبرر الموضوعي الاستثنائي للتعدد، باعتبار أن أهم أثر يترتب على عقد الزواج الصحيح هو المساكنة الشرعية بما تستوجبه من معاشرة زوجية وإحصان كل واحد من الزوجين للآخر بلزوم العفة وصيانة العرض والنسل".[45]
كما جاء في حكم آخر:"وحيث صرح الطالب بجلسة البحث المنعقدة بتاريخ 26/07/2011 بأن سبب طلب التعدد يرجع إلى كون زوجته مصابة بأمراض مزمنة تمنعها من القيام بواجباتها الزوجية وهو ما أقرت به هذه الأخيرة، وبذلك يكون قد ثبت للمحكمة المبرر الموضوعي الاستثنائي لطلب التعدد"[46].
وهذا ما أكده حكم آخر جاء فيه: "وحيث إنه طالما أن الزوجة وافقت للطالب على التعدد ولم تعارض في طلبه ولم تقيده بشروط لفائدتها، خاصة وانها أكدت فعلا أنها تعاني مرضا يمنعها من معاشرة زوجها وهو الأمر الثابت أيضا من خلال الشهادة الطبية المرفقة بالملف، كما أن توفر مريد التعدد على الموارد الكافية لإعالة الأسرتين يجعل الطلب قد استجمع الشروط القانونية التي تستلزمها المادة 41 من مدونة الأسرة، وبالتالي يبقى وجيها وجديرا بالاستجابة له"[47].
كما قد يشكل عقم الزوجة سببا في منح الإذن بالتعدد حيث جاء في أحد الأحكام على أنه: "وحيث تبين للمحكمة أن سبب طلب التعدد هو كون الزوجة عاقر حسب الثابت من تصريحات الطرفين كما تبين أن الزوجة توافق لزوجها على التعدد بمحض إرادتها واختيارها ....وحيث تبعا لما ذكر يكون الطلب مؤسس واقعا واقعا وقانونا ويتعين الاستجابة له"[48].
وفي نفس التوجه صار حكم صادر عن قضاء الأسرة بوجدة جاء فيه: "وحيث ثبت للمحكمة خلال جلسة البحث ما أسس عليه المدعي طلبه من كون زوجته لم تنجب خلال فترة زوجهما التي دامت قرابة خمس سنوات، وذلك بعد أن أكدت المدعى عليها أن لا أولاد لهما وأنها تخضع للعلاج....وبذلك يكون الطلب قد استجمع الشروط القانونية التي تستلزمها المادة 41 من مدونة الأسرة ويبقى وجيها وجديرا بالاستجابة له"[49].
كما جاء في حكم آخر على أنه: "وحيث أدلى الطالب بترجمة للغة العربية لإحدى الشواهد الطبية المدلى بها والتي مفادها أن زوجته الأولى سيتم استئصال رحمها، مما يتأكد معه أن يتعذر عليها الإنجاب...
وحيث تبعا لذلك فإنه يتبين للمحكمة أن الطالب قد استوفى شروط التعدد المنصوص عليها قانونا مما ارتأت معه الاستجابة لطلبه سيما وأن زوجته الأولى لا تمانع في زواجه"[50].
كما قد يشكل كبر سن الزوجة مبررا موضوعيا واستثنائيا لمنح الإذن بالتعدد حيث جاء في أحد الأحكام على أنه: "وحيث برر مريد التعدد الأسباب التي ألجأته لتقديم طلبه بكون زوجته المراد التزوج عليها كبيرة في السن ولم تعد قادرة على القيام بشؤون الحياة الزوجية.
وحيث إن المرأة المراد التزوج عليها عند الاستماع إليها من طرف المحكمة بجلسة 13/05/2005 أبدت موافقتها لزوجها بالتعدد بسبب ظروفها الصحية وكبر سنها.
وحيث إنه بناء على ما ذكر فإن المبرر الموضوعي الاستثنائي الذي يبيح للطالب التعدد يكون متوفرا في نازلة الحال"[51].
كما قد يشكل سفر الزوجة مبررا موضوعيا تؤسس عليه المحكمة حكمها، أو رغبة الزوج في إرجاع مطلقته والتي أنجب منها أبناء[52]، أو عقم الزوجة[53] والذي كلما ثبت للمحكمة إلا واعتبرته مبررا موضوعيا استثنائيا يتوجب على المحكمة الأخذ به.
وفي هذا الصدد ذهب قسم قضاء الأسرة بالرباط إلى اعتبار كون المدعى عليها (الزوجة) تسافر باستمرار خارج أرض الوطن وتمكث مدة طويلة مع أبنائها القاطنين هناك، مبرر يشفع للزوج في الإذن له بالتعدد حيث جاء في تعليلات هذا الحكم: "وحيث إن المدعي أرفق طلبه بالوثائق التي تثبت وضعيته المادية لتحقيق العدل المطلوب وأن السبب الذي استند عليه لتبرير طلبه وجيه، مما قررت معه المحكمة الاستجابة لطلبه"[54].
كما أن إرجاع الزوجة من زواج سابق يعتبر مبررا موضوعيا للإذن بالتعدد حيث جاء في أحد الأحكام على أنه: "وحيث إن هذه المحكمة بعد إطلاعها على وثائق الملف والحكم المطعون فيه ودراستها لأسباب الطعن ثبت لها صحة ما نعاه المستأنف عن الحكم المستأنف ذلك أن طالب التعدد أسس طلبه الرامي إلى التعدد على كونه يرغب في إرجاع مطلقته من زواج سابق لجمع شمل أسرته لكونه له معها ولد واحد"[55].
كما قد يؤسس طالب التعدد طلبه على الخوف من الوقوع في الرذيلة والزنا وهذا ما ذهب إليه أحد القرارات جاء فيه: "وحيث إن خوف الطاعن من الوقوع في الزنا يشكل مبررا موضوعيا وسببا مشروعا للتعدد طالما أن الزوجة الأولى قد أبدت قضاء موافقتها وليس بالملف ما يفيد إخلال الطاعن بحقوقها وواجباتها.
وحيث بذلك يكون ما ذهب إليه الحكم الابتدائي قد شابه التعسف وجانب الصواب مما يتعين معه إلغاءه والتصدي له بالحكم وفق الطلب"[56].
والملاحظ على هذا القرار أنه ألغى الحكم الابتدائي الذي اعتبر تأسيس طلب الإذن بالتعدد بدعوى الخوف من الزنا ليس مبررا موضوعيا واستثنائيا، قد جانب الصواب، حيث يجب عدم اعتبار الخوف من الزنا سببا مبررا للتعدد، لأن ذلك قد يؤدي إلى فتح المجال لكل راغب في التعدد لا يسعفه إثبات المبرر الموضوعي والاستثنائي بتأسيس طلبه على هذا الأمر.
ـ يجب أن يقدم كل ما يثبت وضعيته المالية لترى المحكمة بعد ذلك ما إذا كانت هذه الوضعية تسمح للراغب في التعدد بفتح بيت أخرى وقدرته على المصاريف والنفقات الناجمة عن ذلك.
وهذا المؤشر لوحده لا يكفي ليبرر التعدد بل لابد من وجود المؤشر الثاني والأساسي لمنح الإذن بالتعدد وهو الأسباب الموضوعية الاستثنائية.
وهكذا جاء في أحد الأحكام القضائية على أنه: " وحيث إنه وبعد الاطلاع على دخل الزوج المقدر في (72000) درهما سنويا كل ذلك دفع المحكمة إلى أن تستجيب للطلب"[57].
كما جاء في حكم قضائي:"... وحيث ثبت للمحكمة ... توفره على دخل كاف لإعالة الأسرتين بناء على إدلاءه بمقتطف من حسابه البنكي يفيد ذلك، وطبقا للعلل أعلاه يكون الطلب قد استوفى شروطه المبررة للتعدد مما يتعين الاستجابة له..."[58]، وجاء في حكم آخر: "... وحيث أنه... أدلى المدعي بمجموعة وثائق لإثبات عمله لاسيما لصورة شمسية المصادق عليها من قرار استغلال رخصة مقهى وشهادة التزام بالدخل، وشهادة إدارية أخرى... تفيد كونه يملك 12 هكتار من بلاد بور و4 هكتارات من بلاد سقوية و8000 شجرة زيتون و6 رؤوس من البقر و50 رأس من الغنم ... فقررت الاستجابة له.."[59]
وفي حالة الإذن بالتعدد فإنه لا يتم العقد على المراد التزوج بها إلا بعد إشعارها من طرف القاضي بأن مريد الزواج بها متزوج بغيرها ورضاها بذلك، ويضمن هذا الإشعار والتعبير عن الرضى في محضر رسمي (المادة 46).
ج ـ حقوق الزوجة المراد التزوج عليها (الزوجة الأولى):
صونا لكرامة الزوجة المراد التزوج عليها ضمنت مواد مدونة الأسرة حقوق هذه الزوجة من خلال المقتضيات التالية:
1 ـ استدعاء المحكمة للزوجة المراد التزوج عليها للحضور من أجل معرفة رغبة زوجها في التزوج عليها طبقا للمادة 43، وفي حالة عدم الحضور أو امتناعها عن الحضور رغم الدعوة الموجهة إليها من طرف محكمة الأسرة أو امتنعت من تسلم الاستدعاء فإن المحكمة توجه إليها عن طريق عون كتابة الضبط إنذارا تشعرها فيه بأنها إذا لم تحضر في الجلسة المحدد تاريخها في الإنذار فسيبت في طلب الزوج في غيابها، وطبقا لذلك فقد ذهبت المحكمة الابتدائية بالرباط[60] إلى أنه "بناء على تخلف المدعى عليها رغم سابق توصلها وحيث تخلفت المدعى عليها عن الحضور ورغم استدعائها... حيث أثبت المدعي المبرر الموضوعي الاستثنائي للتعدد يبقى طلبه للتعدد مؤسسا ويتعين الاستجابة له".
كما يمكن البت في الطلب في غيبة الزوجة المراد التزوج عليها إذا أفادت النيابة العامة تعذر الحصول على موطن أو محل إقامة يمكن استدعاؤها فيه.
أما في حالة حضور الزوجة فإن المحكمة تقوم بالاستماع إلى تصريحاتها وملاحظاتها بخصوص طلب زوجها، ولا يخفى أن الاستماع إلى تصريحات الطرفين يعد مسألة جد هامة تساعد في تكوين قناعة المحكمة، فبناء على ما تم التصريح به خلال جلسة البحث تستنتج المحكمة موقف الزوجة من حيث موافقتها أو ممانعتها في الإذن لزوجها بالتعدد، كما يمكن لها أن تناقش المبرر الموضوعي الاستثنائي مع هذه الزوجة لتعطي وجهة نظرها.
فالحضور الشخصي للزوجة ولطالب التعدد يساعد المحكمة على إجراء محاولة الصلح للتوفيق بين الزوجين والإصلاح بينهما، والذي تعتمد فيه على جميع الوسائل التي تراها ملائمة، فيمكن أن تنتدب حكمين من أجل الإصلاح بين الطرفين، كما قد تكتفي بمحاولة الصلح التي تقوم بها بجلسة البحث، فإما أن يعدل الزوج عن طلبه بالتعدد أو أن تسمح له الزوجة بذلك، أو يبقى الخلاف بينهما قائما.
ـ مدونة الأسرة توفر الحماية للزوجة المراد التزوج عليها في حالة إقدام الزوج على تضليل العدالة عند تقديمه بسوء نية لعنوان غير صحيح أو تحريف في اسم الزوجة، حيث تطبق على الزوج عقوبة جنائية ويخضع لمقتضيات الفصل 361[61] من القانون الجنائي بناء على طلب من الزوجة المتضررة (المادة 43 الفقرة الثالثة).
ـ إذا أصرت الزوجة المراد التزوج عليها على المطالبة بالتطليق وثبت للمحكمة من خلال المناقشات تعذر استمرار العلاقة الزوجية فإن المحكمة تضمن للزوجة ولأولادها جميع حقوقها المالية، بحيث تلزم المحكمة الزوج بإيداع المبلغ المحدد داخل أجل سبعة أيام، وعدم إيداع هذا المبلغ داخل هذا الأجل يعتبر تراجعا عن طلب الإذن بالتعدد.
ـ تستجيب المحكمة لطلب الزوجة المراد التزوج عليها بمجرد إيداع المبلغ المالي بالتطليق، ويعتبر هذا الحكم نهائيا غير قابل لأي طعن في جزئه المتعلق بإنهاء العلاقة الزوجية.
إذا تمسك الزوج بطلب الإذن بالتعدد، ولم توافق الزوجة المراد التزوج عليها، ولم تطلب التطليق طبقت المحكمة تلقائيا مسطرة الشقاق المنصوص عليها في المواد 94 إلى 97 بعده (الفقرة الأخيرة من المادة 45)..
هذا المقتضى دفع محكمة النقض إلى اقتراح تعديل له يعطي الحق للزوجة حرية الاختيار في اللجوء للشقاق وألا تجبرها المحكمة على اللجوء إليه وبذلك يصبح حق للزوجة المراد التزوج عليها بأن تلتجئ إلى مسطرة الشقاق المنصوص عليها في المواد من 94 إلى 97 من مدونة الأسرة، إذا اختلفت مع زوجها في التعدد بحيث لم تقبل به بينما أصر هو على طلبه.[62]
ثالثا: الطبيعة القانونية لطلب الإذن بالتعدد و الجهة المختصة للنظر فيه.
لقد أشارت مدونة الأسرة من خلال المادة 42 منها على أن طلب الإذن بالتعدد يقدم إلى المحكمة في هيئتها الجماعية، لكن ما ينبغي الإشارة له في هذا الصدد وهو أن المشرع المغربي لم يوضح الإجراءات المسطرية التي تحكم تقديم طلب الحصول على الإذن بالتعدد، بالإضافة إلى عدم تحديده للمحكمة المختصة للنظر فيه.
كل ذلك يحتم علينا الرجوع إلى القواعد العامة في قانون المسطرة المدنية، وما تضمنته مدونة الأسرة من أجل تحديد الطبيعة القانونية لطلب الإذن بالتعدد (1) والجهة المختصة بالنظر في منح الإذن بالتعدد(2).
الطبيعة القانونية لطلب الإذن بالتعدد
من خلال استقراء المواد المؤطرة لمنح الإذن بالتعدد في مدونة الأسرة، نستشف على أنه لم تتم فيها الإشارة إلى الطبيعة القانونية لطلب الإذن بزواج التعدد، بالإضافة إلى أنها لم توضح بالدقة المطلوبة الإجراءات المنظمة لرفع هذا الطلب، إلا ما تم التنصيص عليه في المادة 42 من مدونة الأسرة، إلا أنه مع ذلك فهذه المادة لا تسعف في معرفة الطبيعة القانونية لهذا الطلب.
وقد ذهب أحد الفقه القانوني[63] إلا أنه يجب اعتبار طلب الإذن بزواج التعدد بمثابة دعوى قضائية حقيقية ترفع من طرف الراغب في الحصول على الإذن بالتعدد في مواجهة زوجته الحالية، كما أنه قد ينشأ عنها دعاوى أخرى سواء بطلب من الزوجة والمتمثل في طلب التطليق، أو تطبيق مسطرة الشقاق تلقائيا من طرف المحكمة، وهذه الحالة الأخيرة تتحقق في الحالة التي يتم فيها إصرار الزوج على منحه الإذن بالتعدد، وعدم الاستجابة له من طرف زوجته المراد التزوج عليها.
وأعتقد أن هذا التوجه صائب، خصوصا إذا علمنا بأن المادة 41 من مدونة الأسرة أوجبت على الزوج بأن يثبت المبرر الموضوعي والاستثنائي، بالإضافة إلى الموارد الكافية لإعالة الأسرتين، زيادة على إرفاق طلبه بمستندات من أجل إثبات ادعائه.
وبما أن الإذن بزواج التعدد عنصر أساسي من عناصر ملف عقد الزواج حسب المادة 65 من مدونة الأسرة، تمليه ضرورة التأكد من وضعية الزوج بخصوص ذلك، فإن محكمة الموضوع تبت في هذا الطلب في غرفة المشورة التي يجري فيها التداول بكيفية غير علنية وبهيئة جماعية[64]، بحيث تكون للمحكمة السلطة التقديرية الواسعة في قبول الطلب أو رفضه حسب مدى توفر شروط التعدد من عدمها، واقتناع محكمة الموضوع بها، إلا إذا كان هناك شرط من الزوجة بعدم التزوج عليها حسب المادة 40 من مدونة الأسرة، لأنه في هذه الحالة يتم تقييد المحكمة نهائيا في منحها للإذن بالتعدد.
وهذا الشرط يصبح ملزما لمن التزم به حسب الفقرة الأولى من المادة 48 من مدونة الأسرة بالرغم من الاستثناء الذي وضعه المشرع المغربي بإسقاط الشرط إذا كان مرهقا إذ في هذه الحالة يمكن للراغب في الزواج بالتعدد أن يتقدم بطلب للإذن بذلك من طرف المحكمة المختصة[65].
لكن يبقى أهم إجراء جاءت به مدونة الأسرة وهو أنه بمجرد إيداع طلب الإذن بالتعدد لدى المحكمة، فإن أول إجراء تقوم به هذه الأخيرة هو استدعاء الزوجة المراد التزوج عليها للحضور، ليتم مناقشة الطلب المقدم من طرف الزوج المريد التعدد للحضور في غرفة المشورة من أجل أن يتم مناقشة ذلك الطلب[66] .
وتعتبر هذه الإجراءات من بين الإجراءات التي تحكم الدعاوى في المسطرة المدنية، طبقا للقواعد العامة، مما يمكننا القول على أن تقديم طلب الإذن بالتعدد تحكمه الإجراءات العادية التي تحكم الطلبات القضائية كما ينظمها هذا القانون والمتمثل في المسطرة المدنية.[67]
وبناء على ذلك تجدر الإشارة إلى أن الإذن بالتعدد يصدر عن المحكمة في إطار سلطتها القضائية وليست في إطار سلطتها الولائية، كما هو الحال بالنسبة للإذن الصادر عن قاضي الأسرة المكلف بالزواج[68].
وطبقا لما سبق ذكره فإن طلب الإذن بزواج التعدد يخضع للضوابط التي تحكم رفع الدعوى في قانون المسطرة المدنية سواء من خلال ضرورة التوفر على شروط رفع الدعوى والمتمثلة في الصفة والمصلحة والأهلية[69] أو من خلال احترام الشكل و البيانات التي يجب أن تتوفر في الطلب الذي يقدم إلى المحكمة.
وزيادة على ذلك يجب احترام المقتضيات المنصوص عليها في مدونة الأسرة والمتمثلة في الأسباب الموضوعية الإسثنائية المبررة لرفع هذا الطلب بالإضافة إلى الوضعية المادية، والتي أشار لها المشرع المغربي في المادة 42 من مدونة الأسرة.
·
الجهة القضائية المختصة
بالنظر في طلب الإذن بالتعدد
بما أن مدونة الأحوال
الشخصية الملغاة لم تقيد زواج التعدد بأي شرط من الشروط، بحيث كان يكفي اللجوء إلى
العدول مباشرة من أجل إبرام زواج التعدد، إلى أن جاءت تعديلات 10شتبر 1993[70] بخصوص زواج التعدد، بحيث أصبح آنذاك من يريد الإذن له بالتعدد
أن يقدم طلبا بذلك إلى قاضي التوثيق بالمحكمة الابتدائية التي يوجد فيها بيت
الزوجية الخاص بالزوجة الأولى أو بالدائرة القضائية التي تقطن بها المراد التزوج
بها. [71]
لكن في إطار مدونة الأسرة يستشف من خلال المادة 42 منها على أن طلب الإذن بالتعدد يقدم من الراغب فيه إلى المحكمة [72] ، وهي المحكمة الابتدائية، باعتبارها صاحبة الولاية العامة، ويقدم هذا الطلب بالضبط إلى أقسام قضاء الأسرة، وذلك طبقا للفصل الثاني من قانون التنظيم القضائي،[73] وطبقا لذلك تنظر أقسام الأسرة في قضايا الأحوال الشخصية والميراث والحالة المدنية، وشؤون القاصرين وكل ما له علاقة برعاية وحماية الأسرة، وفي إطار ذلك يمكن لكل غرفة أن تبحث وتحكم في كل القضايا المعروضة على المحكمة كيفما كان نوعها باستثناء ما يتعلق بأقسام قضاء الأسرة .
ومن خلال ما سبق يمكن أن نقول أن اختصاص أقسام قضاء الأسرة محصور بالنظر في قضايا الأسرة، بحيث لا يمكن لباقي غرف المحكمة الابتدائية أن تنظر في هذه القضايا، وبالتالي فلا ترفع الدعاوى المتعلقة بقضايا الأسرة إلا أمام أقسام قضاء الأسرة لكون أن اعتبار الاختصاص النوعي لأقسام قضاء الأسرة من النظام العام الذي لا يجب الاتفاق على مخالفته.
وطبقا لذلك يجب أن يقدم طلب الإذن بزواج التعدد إلى قسم قضاء الأسرة التابع له بيت الزوجية أو موطن إقامة الزوجة، وذلك امتثالا لقواعد الاختصاص المحلي المنصوص عليها في المادة 27 من قانون المسطرة المدنية والتي تنص على أن من يدعي حقا قبل الغير أن يسعى إلى أقرب محكمة لموطن المدعى عليه[74]، خصوصا إذا علمنا بأن مدونة الأسرة لم تقم بتنظيم الاختصاص المحلي لأقسام قضاء الأسرة .
وبالرغم ممن ينتقد [75] التحول المتعلق باختصاص النظر في دعوى التعدد، من قاضي التوثيق إلى المحكمة، حيث ذهب إلى اعتبار أن هذا الاختصاص قد سلب من قاضي التوثيق لا لشيء إلا حبا في الاستغناء عن هذه المؤسسة العريقة النابعة من الحضارة الإسلامية، واعتبر أن قاضي التوثيق هو المؤهل للنظر في منح الإذن بالتعدد نظرا لخبرته في ذلك، ألا أن الواقع والتجربة قد أثبتت عكس ذلك لكون أن خبرة قاضي التوثيق تتميز في توثيق المعاملات و الحقوق، وليست له دراية كافية في مجال النظر في طلبات زواج التعدد أو للنزعات التي قد تنشأ عن ذلك، خصوصا إذا علمنا كثرة المهام التي كانت منوطة له فيما قبل .
ولتأكيد ذلك فقد ذهب أحد الفقهاء[76] إلى أن نقل الاختصاص من قاضي التوثيق إلى محكمة الموضوع يعتبر من أهم التجديدات المسطرية التي جاء بها المشرع المغربي من خلال مدونة الأسرة، خصوصا إذا علمنا بأن التجربة القديمة أوضحت بجلاء ضعف أداء قاضي التوثيق، حيث أنه كان يتولى اختصاصا قضائيا صرفا غير خاضع لأية مسطرة قانونية محددة، ولا تدخل أصلا في اختصاصه كقاضي التوثيق،بالإضافة إلى أن كثرة مهامه التوثيقية و التي كانت تشكل عائقا من دون أن ينتبه المشرع لذلك فيما قبل.
وانطلاقا من هذا التغيير في الاختصاص الذي قام به المشرع المغربي، نجد فيه إشارة على اختصاص نوعي استثنائي خاص بأقسام قضاء الأسرة، و الذي يعتبر من صميم النظام العام، وطبقا لذلك فأنه يمكن التمسك به في أية مرحلة من مراحل التقاضي، كما يمكن للمحكمة أن تثيره من تلقاء نفسها، وهو ما يجعلنا أمام وضع يهدف إلى خلق قضاء متخصص في القضايا الأسرية يساعد بالتأكيد على تفعيل كل من قواعدها الإجرائية و الموضوعية على حد سواء.
فبمقتضى هذه القواعد ومن أجل الحصول على الإذن بالتعدد، يجب تقديم الطلب بذلك إلى قسم قضاء الأسرة التابع للمحكمة الابتدائية المختصة مكانيا للتأكد من الشروط المفروضة قانونيا، ومن أجل تقرير منح الإذن بزواج التعدد من عدمه وذلك وفقا للمسطرة التالية:
ـ يتعين إجراء المناقشة في غرفة المشورة بحضور الزوج والزوجة المراد التزوج عليها (الفقرة الأولى من المادة 44)، فعقد الجلسة بغرفة المشورة عند إجراء المناقشة بين الطرفين والاستماع إلى الشهود ومحاولة التوفيق والإصلاح ، هي أمور تتسم بالسرية التي تتطلبها مسألة الصلح وذلك حفاظا على أسرار الأسرة، وحتى إذا فشل الصلح يتم اللجوء إلى العلنية[77].
ـ إن الإذن بالتعدد يكون بمقرر معلل يشار فيه إلى الأسباب الداعية إليه ومراعيا جميع الإجراءات والشروط المطلوبة قانونا، وهذا المقرر المقدم من طرف المحكمة غير قابل لأي طعن (الفقرة الثانية من المادة 44).
ـ يتعين على المحكمة استدعاء الزوجة والاستماع إليها، ويتعين احترام المسطرة المنصوص عليها في المادة 43 من المدونة.
ـ ضمان المحكمة لحقوق الزوجة وحقوق الأطفال ذات الطابع المال.
رابعا : التحايل من أجل التعدد
يعتبر التعدد استثناء من الأصل، كما انتقل من حق الزوج إلى حق المحكمة ومن الإباحة إلى التقييد،[78] وهو الأمر الذي جعل بعض المتقاضين يفكرون في حيل قانونية تعفيهم من المساطر الصعبة التي قد تحول دون حصولهم على الإذن بالتعدد.
فقد يكون الرجل متزوجا بامرأة ما ويريد الزواج من ثانية، ولكي يتهرب من مختلف الإجراءات القضائية التي وضعها المشرع المغربي بشأن الحصول على الإذن بالتعدد، يخفي زواجه الأول ويطلب إثبات زواجه الثاني[79] عن طريق إعمال مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 16 من مدونة الأسرة.
هذه الإمكانية التي تعطيها الفقرة الثانية من المادة 16 من المدونة بنصها على أنه: " إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته، تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة".
وهذه الصورة كانت في إطار المدونة الملغاة، وكان القضاء يعتمد جل المبررات لإثبات الزوجية ولإنقاذ بعض الوضعيات العائلية، حتى أفرغ مبدأ شرط الإشهاد من محتواه[80]، وكانت المبررات غير جدية من قبيل الخوف من الزوجة الأولى حيث إن علمها بزواجه من الثانية قد يثير مشاكل عائلية.[81]
وعلى اعتبار أن التعديل الذي جاءت به الفقرة الثانية من المادة 16 تتعلق بتهذيب في الصياغة لا بتغيير في الجوهر[82]، فإن القضاء سيستمر في اعتماد المفهوم الواسع للأسباب القاهرة- حالة الاستثناء سابقا- بكيفية تستغرق جميع حالات عدم توثيق الزواج[83]. وبذلك يحقق أصحاب الحيل مبتغاهم، وخاصة عند وجود أبناء،لأن هذه الحالة تبرر التحايل وتجعله شرعيا كما هو مفهوم من منطوق الحكم الذي جاء فيه: " وحيث إنه في النازلة فإن الطرفين لم ينجبا أبناء وليست طالبة صحة الزوجية حاملا حتى يشفع لها ذلك في تبرير تحايلها على النص القانوني".[84]
لكن في مدونة الأسرة لا بد من استحضار أن المشرع قد سن مجموعة من الأذون في الزواج وألح على وجوب مراعاتها واحترامها، ومساءلة من يتملص أو يدلس من أجل الحصول عليها لذا فلا يمكن التغاضي عنها عند ثبوت الزوجية إلا بالنسبة للتي فات أوانها[85].
ويجب أن تفهم الأسباب القاهرة بأنها الأسباب المادية دون غيرها من الأسباب التي تعتبر منعا قانونيا كحالة اشتراط المشرع للإذن بالتعدد،إذ لا يعقل أن يفتح المشرع باب للتحايل على القواعد التي فرضها[86].
وقد نتج عن هذا التحايل مجموعة من الإشكالات على الصعيد العملي، ولذلك نجد العديد من الأحكام القضائية تتشدد في وضع حد لهذا التحايل وتعاقب الشخص الذي يخرق القواعد القانونية الخاصة بالتعدد من خلال استغلال مسطرة إثبات الزوجية بنقيض قصده، وهذا ما يؤكده أحد الأحكام التي جاء فيه: " أن طالب صحة الزوجية متزوج بامرأة أخرى، وكل ما منعه من توثيق عقد الزواج هو رغبته في عدم اللجوء لمسطرة التعدد، ومن تم يعامل بنقيض القصد، ويكون كل ذلك مبررا للتصريح برفض الطلب"[87].
كما جاء في حكم أخرعلى أنه: "حيث يهدف الطالبان من طلبهما إثبات العلاقة الزوجية بينهما منذ سنة 2002.
وحيث أرجع الطالبان سبب عدم توثيق العقد في تاريخه إلى رفض المحكمة طلب التعدد المقدم من طرف الطالب باعتبار أن له زوجة أخرى في عصمته.
وحيث أن رفض المحكمة لطلب التعدد لا يبرر إبرام عقد زواج آخر للطالب ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يشكل ظرف قاهر يمنع الطالب من إبرام عقد الزواج باعتبار أنه كان ملزما باحترام قرار المحكمة المذكور.
وبالتالي لا تعتبر مخالفة قاعدة قانونية آمرة إذن المحكمة بالتعدد قبل إبرام عقد زواج جديد مبررا للاستفادة من قاعدة استثنائية وضعها القانون لمعالجة حالات لا تنطبق بأي حال من الأحوال على حالة الطالبين.
وحيث إنه وتبعا لذلك يتعين رفض الطلب وإبقاء الصائر على مقدمه"[88].
وفي حكم آخر جاء فيه: "حيث يهدف المدعيان في طلبهما إلى الحكم لهما بثبوت الزوجية موضحان أنهما لو يوثقا عقد زواجهما في إبانه لظروف حالت بينهما وبين ذلك وتتمثل في كون وضعية الزوج القانونية بإسبانيا كانت غير شرعية.
وحيث عند استماع المحكمة لشاهدي المدعي...أكد أن الزوجين متزوجان منذ 2005 وبالضبط في بدايتها، وأكد الشاهد الثاني بأن الزوج كان متزوجا قبل زواجه بالمدعية بزوجة أخرى، فصرح المدعى بأنه طلقها ولم يرزق منها بأبناء فكلف بالإدلاء برسم طلاقه.
وحيث إن المحكمة بتصفحها لرسم الطلاق المذكور المضمن...تبين لها أن المدعي لم يطلق زوجته إلا بتاريخ 07/09/2006 بينما تزوج بالمدعية في غضون سنة 2005، وبالتالي فإن زواجه بالمدعية يكون تعدد على زوجة أولى، إلا أنه لم يحترم المسطرة الخاصة بالتعدد المنصوص عليها في المادتين 41 و 42 من مدونة الأسرة، يضاف إلى ما سبق أن المدعي برر عدم توثيقه لعقد زواجه بكونه كان وقتها لا يتوفر على الوثائق الشرعية للإقامة بإسبانيا، إلا أنه تناقض بتصريحه بكونه أقام حفل زفاف بالمغرب، وبالتالي وأمام عدم ثبوت الظرف القاهر وعدم سلوك مسطرة التعدد فإن المحكمة لا يسعها إلا التصريح برفض الطلب"[89].
فالملاحظ من خلال هذين الحكمين أن المحكمة رفضت قبول ثبوت الزوجية على اعتبار ذلك يشكل تحايلا من أجل التعدد فقط، وخرقا لقاعدة قانونية آمرة يجب احترامها.
وفي مقابل هذا التوجه القضائي الرافض لقبول ثبوت الزوجية كمدخل تحايلي للتعدد، فإن هناك اتجاه قضائي أخر متساهل ومؤيد لإثبات الزوجية، وهذا ما يتضح من بعض الأحكام القضائية.
ففي حكم جاء فيه: "حيث إن دعوة الطالب أساسا وحسب طلبه إنما تهدف إلى أن الإذن له بالتعدد بالمسماة...في إطار الفصل 42 وما يليه من مدونة الأسرة.
لكن حيث إن وقائع القضية تكيف على أساس أن المعني بالأمر إنما أراد إثبات الزوجية بينه وبين المسماة...التي أثمرت علاقته بها بازدياد البنت...بتاريخ 18/07/2006، مما يعني أن معاشرته لهذه الزوجة كانت سابقة وبالتالي تكييف النازلة على أنها دعوى سماع الزوجية أخذا بعين الاعتبار وجود الطفلة بنت الطالب والزوجة الثانية ومصلحتها وكون الطلب قدم في حياة الزوجين معا، الشيء الذي قررت معه المحكمة استنادا إلى العلل أعلاه إلغاء الحكم المستأنف لعدم قيامه على أساس وتصديا الحكم بسماع دعوى الزوجية وثبوتها بين الطرفين"[90].
فمن خلال هذا القرار يتبين أن محكمة الاستئناف عملت على إلغاء الحكم الابتدائي والقاضي برفض طلب الإذن بالتعدد وعللت قرارها بكون الدعوى التي رفعها الطالب يجب أن تكيف على أنها دعوى ثبوت الزوجية وليست بطلب إذن بالتعدد، لأن وقائع الدعوى تبين أن طالب التعدد كان قد دخل بالمرأة التي يريد التعدد معها، وأنجب معها بنتا، مما كان يتعين على المحكمة أن تأخذ ذلك بعين الاعتبار وإعمال مقتضيات المادة 16 من مدونة الأسرة.
وفي قرار أخر جاء فيه: "وحيث إنه وفق الإشهاد (عدد 237 ص 185) فإن الزوجة الأم هي المذكورة أعلاه، توافق على زواج المستأنف بالزوجة الثانية المذكورة أيضا، والمحكمة لذلك واعتبار لعدم الإنجاب من الأولى فإنها توافق على الزواج بالثانية، وتعتبر هذا الحكم بمثابة ثبوت الزوجية بين الطرفين لوجود طفل بينهما، ولكون هذه المسألة مثارة تلقائيا تتناسب ومصلحة الطفل ولكون كل مقتضيات مدونة الأسرة تعد من النظام العام يصح إثارتها تلقائيا من طرف المحكمة"[91].
ومن الطرق أيضا التي يلجأ إليها طالب التعدد للتحايل هو أنه قد يعمد إلى إثبات أنه مطلق باستخراج نسخة من وثيقة الطلاق عند النساخ قد يكون ذلك الطلاق فيه رجعة أو مراجعة، فهذه الوثيقة المستخرجة تثبت الطلاق فقط ولا مانع قانوني يمنعه من الزواج.
ومعلوم أن هذا النوع من الطلاق يخول للزوج إمكانية إرجاع زوجته إلى عصمته بدون اللجوء إلى إبرام عقد جديد ما دامت فترة العدة لم تنقضي بعد، مما قد يعمد الزوج إلى إرجاع زوجته الأولى المطلقة رجعيا بعدما قام بزواج من ثانية فيكون بذلك متحايلا على مسطرة التعدد.
وتعتبر هذه الطريقة من التحايل في إطار التعدد من أكثر الطرق التي يتم استعمالها من طرف الزوج الراغب في التعدد، لذلك يتعين على القضاء اتخاذ حذره ويتأكد من انتهاء العلاقة الزوجية بين الزوج الطالب إثبات زواجه وبين زوجته الأولى، وبالتالي يفرض عليه وجوب الحصول على إذن التعدد قبل دعوى ثبوت الزوجية.
وهكذا قضت محكمة الاستئناف بالجديدة أن: "المراجعة بعد زواج آخر لا تصح إلا بمقتضى زواج جديد تحترم فيه شكليات الزواج المنصوص عليها في المادة 65 من نفس القانون (مدونة الأسرة) والإذن بالتعدد عملا بالمادة 40 وما يليها من المدونة وفي غياب ذلك يكون رسم الرجعة –المراجعة- عدد322 باطل..."[92] لأن الأمر يتعلق بزواج ثان بمثابة تعدد من غير احترام مسطرته.
كما أقرت نفس المحكمة في حكم آخر أنه:" يحق للزوجة الأولى المطالبة بإبطال رسم مراجعة أضر بمصالحها لم تحضره ولم توافق عليه"[93]، والزوجة الأولى هنا هي التي تزوجها بعد طلاق الزوجة التي أراد مراجعتها، وإذا كان هذا الأمر واضح وقانوني، يسهل على القضاء التثبت منه في حالة الطلاق البائن، فإن الأمر يدق في حالة الطلاق الرجعي.
ذلك أن الزوج يكون في الطلاق الرجعي في حكم المتزوج، لأنه يملك إرجاعها، وقد يتزوج بأخرى[94]، وذلك بهدف التحايل على مسطرة التعدد، وهو الأمر الذي لم تعر له محكمة الرباط أي اهتمام لما قضت للزوج بإرجاع طليقته لتكون زوجة ثانية[95].
وارتباطا مع ما سبق كان حريا بالمشرع أن يراعي مجموعة من القيود بالنسبة للطلاق كي لا يسهل أمر الرجعة أو المراجعة في وقت تزوج فيه خلال فترة الطلاق بامرأة أخرى.[96]
كما يتعين دائما احترام فترة العدة، حتى من طرف المطلق في الطلاق الرجعي بحيث إن الزوجة في حكم المتزوجة خلال العدة، وكذلك الزوج، وبالتالي يتعين عدم الإذن بتوثيق زواج المطلق خلال فترة العدة إلا بعد انقضاء العدة، أو بعد إدلائه بإذن المحكمة بالتعدد لأنه قد يتزوج بامرأة أخرى ويقوم بإرجاع المطلقة خلال العدة، ويكون بالتالي متزوج بامرأتين دون الحصول على إذن بالتعدد، وذلك رغم عدم وجود نص صريح.[97]
خامسا : واقــــع التعــــدد
من خلال استعراضنا لمختلف الاتجاهات الفقهية والتشريعية، اتضح لنا اختلاف المواقف بين من يبيح التعدد مطلقا، وبين من يقيده بقيود معينة وشروط محددة، وبين من يحرمه صراحة ويعتبر تعدد الزوجات جريمة معاقبا عليها.
والذي نميل إليه بعد هذه الآراء هو أن إباحة التعدد مطلقا يتنافى مع روح الشريعة الإسلامية، كما أن واقع مجتمعنا المعاصر يرفضه استنادا إلى اعتبارات عديدة أذكر منها :
- الظروف الاقتصادية والاجتماعية تحتم على الزوج الاكتفاء بزوجة واحدة.
- ظهور أفكار وتيارات اجتماعية في موضوع تنظيم الأسر وذلك نتيجة ارتفاع مستوى التعليم وزيادة الوعي الثقافي بين الرجل والمرأة معا وترتب على ذلك فهم جديد لقيمة الحياة الزوجية وإدراك أكثر عمقا بمسؤوليات الحياة الزوجية، الأمر الذي يحتم الاقتصار على النمط المثالي في الزواج وهو عدم التعدد إلا عند الضرورة القصوى وفي أحوال جد نادرة[98].
أما الاتجاه الذي يرى منع التعدد مطلقا وتحريم الفعل، فإننا نعتقد بأن هذا الاتجاه مبالغ فيه، ولا يتفق مع مقتضيات النصوص الشرعية، ولم يراع أيضا خصوصيات المجتمع الإسلامي، ذلك أن الشريعة الإسلامية بمذاهبها الفقهية المختلفة فيها من المرونة ما يضمن إيجاد الحلول الشافية لكل المشاكل وفي كل زمان ومكان، فالمباح يمكن تقييده، لذلك فتعدد الزوجات يمكن تقييده، أما منعه مطلقا دون مراعاة لأي مبرر أو ظرف فلا نعتقد بأنه اتجاه سليم.
ونميل إلى اعتبار الأصل هو عدم التعدد، لأن الواقع يؤكد بأن حالات التعدد مبنية على الجور وإلحاق الظلم والضرر بالزوجة وذلك تحقيقا لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ﴾، والله سبحانه وتعالى يأمر الرجال بمعاشرة الزوجات بالمعروف أو التسريح بالإحسان، وما ينص عليه الحديث الشريف من أنه ﴿ لا ضرر ولا ضرار﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم : «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، وليس من العدل والمروءة أن يتزوج الرجل على أهله (زوجته) دون مبرر شرعي، ومن ثم يسمح بالتعدد استثناء من القاعدة السابقة إذا دعت الضرورة إلى ذلك ووجد المبرر الشرعي بعد الحصول على إذن القضاء بذلك، فقد يسمح بالتزوج بثانية كما إذا كانت الزوجة عقيم أو فيها مرض يمنعها من أداء وظيفتها الزوجية... الخ.
وأخيرا نرى بأن مشكل تعدد الزوجات في مجتمعنا المغربي في تقلص مستمر إذ لا يشكل سوى نسبة ضئيلة جدا بحيث تقل عن 1%[99]، وهو لا يمثل في الجزائر سوى 3[100]% وفي ليبيا 2% [101]، وربما لا يزيد عن هذا القدر في أكثر البلاد العربية .
لكن في إطار مدونة الأسرة يستشف من خلال المادة 42 منها على أن طلب الإذن بالتعدد يقدم من الراغب فيه إلى المحكمة [72] ، وهي المحكمة الابتدائية، باعتبارها صاحبة الولاية العامة، ويقدم هذا الطلب بالضبط إلى أقسام قضاء الأسرة، وذلك طبقا للفصل الثاني من قانون التنظيم القضائي،[73] وطبقا لذلك تنظر أقسام الأسرة في قضايا الأحوال الشخصية والميراث والحالة المدنية، وشؤون القاصرين وكل ما له علاقة برعاية وحماية الأسرة، وفي إطار ذلك يمكن لكل غرفة أن تبحث وتحكم في كل القضايا المعروضة على المحكمة كيفما كان نوعها باستثناء ما يتعلق بأقسام قضاء الأسرة .
ومن خلال ما سبق يمكن أن نقول أن اختصاص أقسام قضاء الأسرة محصور بالنظر في قضايا الأسرة، بحيث لا يمكن لباقي غرف المحكمة الابتدائية أن تنظر في هذه القضايا، وبالتالي فلا ترفع الدعاوى المتعلقة بقضايا الأسرة إلا أمام أقسام قضاء الأسرة لكون أن اعتبار الاختصاص النوعي لأقسام قضاء الأسرة من النظام العام الذي لا يجب الاتفاق على مخالفته.
وطبقا لذلك يجب أن يقدم طلب الإذن بزواج التعدد إلى قسم قضاء الأسرة التابع له بيت الزوجية أو موطن إقامة الزوجة، وذلك امتثالا لقواعد الاختصاص المحلي المنصوص عليها في المادة 27 من قانون المسطرة المدنية والتي تنص على أن من يدعي حقا قبل الغير أن يسعى إلى أقرب محكمة لموطن المدعى عليه[74]، خصوصا إذا علمنا بأن مدونة الأسرة لم تقم بتنظيم الاختصاص المحلي لأقسام قضاء الأسرة .
وبالرغم ممن ينتقد [75] التحول المتعلق باختصاص النظر في دعوى التعدد، من قاضي التوثيق إلى المحكمة، حيث ذهب إلى اعتبار أن هذا الاختصاص قد سلب من قاضي التوثيق لا لشيء إلا حبا في الاستغناء عن هذه المؤسسة العريقة النابعة من الحضارة الإسلامية، واعتبر أن قاضي التوثيق هو المؤهل للنظر في منح الإذن بالتعدد نظرا لخبرته في ذلك، ألا أن الواقع والتجربة قد أثبتت عكس ذلك لكون أن خبرة قاضي التوثيق تتميز في توثيق المعاملات و الحقوق، وليست له دراية كافية في مجال النظر في طلبات زواج التعدد أو للنزعات التي قد تنشأ عن ذلك، خصوصا إذا علمنا كثرة المهام التي كانت منوطة له فيما قبل .
ولتأكيد ذلك فقد ذهب أحد الفقهاء[76] إلى أن نقل الاختصاص من قاضي التوثيق إلى محكمة الموضوع يعتبر من أهم التجديدات المسطرية التي جاء بها المشرع المغربي من خلال مدونة الأسرة، خصوصا إذا علمنا بأن التجربة القديمة أوضحت بجلاء ضعف أداء قاضي التوثيق، حيث أنه كان يتولى اختصاصا قضائيا صرفا غير خاضع لأية مسطرة قانونية محددة، ولا تدخل أصلا في اختصاصه كقاضي التوثيق،بالإضافة إلى أن كثرة مهامه التوثيقية و التي كانت تشكل عائقا من دون أن ينتبه المشرع لذلك فيما قبل.
وانطلاقا من هذا التغيير في الاختصاص الذي قام به المشرع المغربي، نجد فيه إشارة على اختصاص نوعي استثنائي خاص بأقسام قضاء الأسرة، و الذي يعتبر من صميم النظام العام، وطبقا لذلك فأنه يمكن التمسك به في أية مرحلة من مراحل التقاضي، كما يمكن للمحكمة أن تثيره من تلقاء نفسها، وهو ما يجعلنا أمام وضع يهدف إلى خلق قضاء متخصص في القضايا الأسرية يساعد بالتأكيد على تفعيل كل من قواعدها الإجرائية و الموضوعية على حد سواء.
فبمقتضى هذه القواعد ومن أجل الحصول على الإذن بالتعدد، يجب تقديم الطلب بذلك إلى قسم قضاء الأسرة التابع للمحكمة الابتدائية المختصة مكانيا للتأكد من الشروط المفروضة قانونيا، ومن أجل تقرير منح الإذن بزواج التعدد من عدمه وذلك وفقا للمسطرة التالية:
ـ يتعين إجراء المناقشة في غرفة المشورة بحضور الزوج والزوجة المراد التزوج عليها (الفقرة الأولى من المادة 44)، فعقد الجلسة بغرفة المشورة عند إجراء المناقشة بين الطرفين والاستماع إلى الشهود ومحاولة التوفيق والإصلاح ، هي أمور تتسم بالسرية التي تتطلبها مسألة الصلح وذلك حفاظا على أسرار الأسرة، وحتى إذا فشل الصلح يتم اللجوء إلى العلنية[77].
ـ إن الإذن بالتعدد يكون بمقرر معلل يشار فيه إلى الأسباب الداعية إليه ومراعيا جميع الإجراءات والشروط المطلوبة قانونا، وهذا المقرر المقدم من طرف المحكمة غير قابل لأي طعن (الفقرة الثانية من المادة 44).
ـ يتعين على المحكمة استدعاء الزوجة والاستماع إليها، ويتعين احترام المسطرة المنصوص عليها في المادة 43 من المدونة.
ـ ضمان المحكمة لحقوق الزوجة وحقوق الأطفال ذات الطابع المال.
رابعا : التحايل من أجل التعدد
يعتبر التعدد استثناء من الأصل، كما انتقل من حق الزوج إلى حق المحكمة ومن الإباحة إلى التقييد،[78] وهو الأمر الذي جعل بعض المتقاضين يفكرون في حيل قانونية تعفيهم من المساطر الصعبة التي قد تحول دون حصولهم على الإذن بالتعدد.
فقد يكون الرجل متزوجا بامرأة ما ويريد الزواج من ثانية، ولكي يتهرب من مختلف الإجراءات القضائية التي وضعها المشرع المغربي بشأن الحصول على الإذن بالتعدد، يخفي زواجه الأول ويطلب إثبات زواجه الثاني[79] عن طريق إعمال مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 16 من مدونة الأسرة.
هذه الإمكانية التي تعطيها الفقرة الثانية من المادة 16 من المدونة بنصها على أنه: " إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته، تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة".
وهذه الصورة كانت في إطار المدونة الملغاة، وكان القضاء يعتمد جل المبررات لإثبات الزوجية ولإنقاذ بعض الوضعيات العائلية، حتى أفرغ مبدأ شرط الإشهاد من محتواه[80]، وكانت المبررات غير جدية من قبيل الخوف من الزوجة الأولى حيث إن علمها بزواجه من الثانية قد يثير مشاكل عائلية.[81]
وعلى اعتبار أن التعديل الذي جاءت به الفقرة الثانية من المادة 16 تتعلق بتهذيب في الصياغة لا بتغيير في الجوهر[82]، فإن القضاء سيستمر في اعتماد المفهوم الواسع للأسباب القاهرة- حالة الاستثناء سابقا- بكيفية تستغرق جميع حالات عدم توثيق الزواج[83]. وبذلك يحقق أصحاب الحيل مبتغاهم، وخاصة عند وجود أبناء،لأن هذه الحالة تبرر التحايل وتجعله شرعيا كما هو مفهوم من منطوق الحكم الذي جاء فيه: " وحيث إنه في النازلة فإن الطرفين لم ينجبا أبناء وليست طالبة صحة الزوجية حاملا حتى يشفع لها ذلك في تبرير تحايلها على النص القانوني".[84]
لكن في مدونة الأسرة لا بد من استحضار أن المشرع قد سن مجموعة من الأذون في الزواج وألح على وجوب مراعاتها واحترامها، ومساءلة من يتملص أو يدلس من أجل الحصول عليها لذا فلا يمكن التغاضي عنها عند ثبوت الزوجية إلا بالنسبة للتي فات أوانها[85].
ويجب أن تفهم الأسباب القاهرة بأنها الأسباب المادية دون غيرها من الأسباب التي تعتبر منعا قانونيا كحالة اشتراط المشرع للإذن بالتعدد،إذ لا يعقل أن يفتح المشرع باب للتحايل على القواعد التي فرضها[86].
وقد نتج عن هذا التحايل مجموعة من الإشكالات على الصعيد العملي، ولذلك نجد العديد من الأحكام القضائية تتشدد في وضع حد لهذا التحايل وتعاقب الشخص الذي يخرق القواعد القانونية الخاصة بالتعدد من خلال استغلال مسطرة إثبات الزوجية بنقيض قصده، وهذا ما يؤكده أحد الأحكام التي جاء فيه: " أن طالب صحة الزوجية متزوج بامرأة أخرى، وكل ما منعه من توثيق عقد الزواج هو رغبته في عدم اللجوء لمسطرة التعدد، ومن تم يعامل بنقيض القصد، ويكون كل ذلك مبررا للتصريح برفض الطلب"[87].
كما جاء في حكم أخرعلى أنه: "حيث يهدف الطالبان من طلبهما إثبات العلاقة الزوجية بينهما منذ سنة 2002.
وحيث أرجع الطالبان سبب عدم توثيق العقد في تاريخه إلى رفض المحكمة طلب التعدد المقدم من طرف الطالب باعتبار أن له زوجة أخرى في عصمته.
وحيث أن رفض المحكمة لطلب التعدد لا يبرر إبرام عقد زواج آخر للطالب ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يشكل ظرف قاهر يمنع الطالب من إبرام عقد الزواج باعتبار أنه كان ملزما باحترام قرار المحكمة المذكور.
وبالتالي لا تعتبر مخالفة قاعدة قانونية آمرة إذن المحكمة بالتعدد قبل إبرام عقد زواج جديد مبررا للاستفادة من قاعدة استثنائية وضعها القانون لمعالجة حالات لا تنطبق بأي حال من الأحوال على حالة الطالبين.
وحيث إنه وتبعا لذلك يتعين رفض الطلب وإبقاء الصائر على مقدمه"[88].
وفي حكم آخر جاء فيه: "حيث يهدف المدعيان في طلبهما إلى الحكم لهما بثبوت الزوجية موضحان أنهما لو يوثقا عقد زواجهما في إبانه لظروف حالت بينهما وبين ذلك وتتمثل في كون وضعية الزوج القانونية بإسبانيا كانت غير شرعية.
وحيث عند استماع المحكمة لشاهدي المدعي...أكد أن الزوجين متزوجان منذ 2005 وبالضبط في بدايتها، وأكد الشاهد الثاني بأن الزوج كان متزوجا قبل زواجه بالمدعية بزوجة أخرى، فصرح المدعى بأنه طلقها ولم يرزق منها بأبناء فكلف بالإدلاء برسم طلاقه.
وحيث إن المحكمة بتصفحها لرسم الطلاق المذكور المضمن...تبين لها أن المدعي لم يطلق زوجته إلا بتاريخ 07/09/2006 بينما تزوج بالمدعية في غضون سنة 2005، وبالتالي فإن زواجه بالمدعية يكون تعدد على زوجة أولى، إلا أنه لم يحترم المسطرة الخاصة بالتعدد المنصوص عليها في المادتين 41 و 42 من مدونة الأسرة، يضاف إلى ما سبق أن المدعي برر عدم توثيقه لعقد زواجه بكونه كان وقتها لا يتوفر على الوثائق الشرعية للإقامة بإسبانيا، إلا أنه تناقض بتصريحه بكونه أقام حفل زفاف بالمغرب، وبالتالي وأمام عدم ثبوت الظرف القاهر وعدم سلوك مسطرة التعدد فإن المحكمة لا يسعها إلا التصريح برفض الطلب"[89].
فالملاحظ من خلال هذين الحكمين أن المحكمة رفضت قبول ثبوت الزوجية على اعتبار ذلك يشكل تحايلا من أجل التعدد فقط، وخرقا لقاعدة قانونية آمرة يجب احترامها.
وفي مقابل هذا التوجه القضائي الرافض لقبول ثبوت الزوجية كمدخل تحايلي للتعدد، فإن هناك اتجاه قضائي أخر متساهل ومؤيد لإثبات الزوجية، وهذا ما يتضح من بعض الأحكام القضائية.
ففي حكم جاء فيه: "حيث إن دعوة الطالب أساسا وحسب طلبه إنما تهدف إلى أن الإذن له بالتعدد بالمسماة...في إطار الفصل 42 وما يليه من مدونة الأسرة.
لكن حيث إن وقائع القضية تكيف على أساس أن المعني بالأمر إنما أراد إثبات الزوجية بينه وبين المسماة...التي أثمرت علاقته بها بازدياد البنت...بتاريخ 18/07/2006، مما يعني أن معاشرته لهذه الزوجة كانت سابقة وبالتالي تكييف النازلة على أنها دعوى سماع الزوجية أخذا بعين الاعتبار وجود الطفلة بنت الطالب والزوجة الثانية ومصلحتها وكون الطلب قدم في حياة الزوجين معا، الشيء الذي قررت معه المحكمة استنادا إلى العلل أعلاه إلغاء الحكم المستأنف لعدم قيامه على أساس وتصديا الحكم بسماع دعوى الزوجية وثبوتها بين الطرفين"[90].
فمن خلال هذا القرار يتبين أن محكمة الاستئناف عملت على إلغاء الحكم الابتدائي والقاضي برفض طلب الإذن بالتعدد وعللت قرارها بكون الدعوى التي رفعها الطالب يجب أن تكيف على أنها دعوى ثبوت الزوجية وليست بطلب إذن بالتعدد، لأن وقائع الدعوى تبين أن طالب التعدد كان قد دخل بالمرأة التي يريد التعدد معها، وأنجب معها بنتا، مما كان يتعين على المحكمة أن تأخذ ذلك بعين الاعتبار وإعمال مقتضيات المادة 16 من مدونة الأسرة.
وفي قرار أخر جاء فيه: "وحيث إنه وفق الإشهاد (عدد 237 ص 185) فإن الزوجة الأم هي المذكورة أعلاه، توافق على زواج المستأنف بالزوجة الثانية المذكورة أيضا، والمحكمة لذلك واعتبار لعدم الإنجاب من الأولى فإنها توافق على الزواج بالثانية، وتعتبر هذا الحكم بمثابة ثبوت الزوجية بين الطرفين لوجود طفل بينهما، ولكون هذه المسألة مثارة تلقائيا تتناسب ومصلحة الطفل ولكون كل مقتضيات مدونة الأسرة تعد من النظام العام يصح إثارتها تلقائيا من طرف المحكمة"[91].
ومن الطرق أيضا التي يلجأ إليها طالب التعدد للتحايل هو أنه قد يعمد إلى إثبات أنه مطلق باستخراج نسخة من وثيقة الطلاق عند النساخ قد يكون ذلك الطلاق فيه رجعة أو مراجعة، فهذه الوثيقة المستخرجة تثبت الطلاق فقط ولا مانع قانوني يمنعه من الزواج.
ومعلوم أن هذا النوع من الطلاق يخول للزوج إمكانية إرجاع زوجته إلى عصمته بدون اللجوء إلى إبرام عقد جديد ما دامت فترة العدة لم تنقضي بعد، مما قد يعمد الزوج إلى إرجاع زوجته الأولى المطلقة رجعيا بعدما قام بزواج من ثانية فيكون بذلك متحايلا على مسطرة التعدد.
وتعتبر هذه الطريقة من التحايل في إطار التعدد من أكثر الطرق التي يتم استعمالها من طرف الزوج الراغب في التعدد، لذلك يتعين على القضاء اتخاذ حذره ويتأكد من انتهاء العلاقة الزوجية بين الزوج الطالب إثبات زواجه وبين زوجته الأولى، وبالتالي يفرض عليه وجوب الحصول على إذن التعدد قبل دعوى ثبوت الزوجية.
وهكذا قضت محكمة الاستئناف بالجديدة أن: "المراجعة بعد زواج آخر لا تصح إلا بمقتضى زواج جديد تحترم فيه شكليات الزواج المنصوص عليها في المادة 65 من نفس القانون (مدونة الأسرة) والإذن بالتعدد عملا بالمادة 40 وما يليها من المدونة وفي غياب ذلك يكون رسم الرجعة –المراجعة- عدد322 باطل..."[92] لأن الأمر يتعلق بزواج ثان بمثابة تعدد من غير احترام مسطرته.
كما أقرت نفس المحكمة في حكم آخر أنه:" يحق للزوجة الأولى المطالبة بإبطال رسم مراجعة أضر بمصالحها لم تحضره ولم توافق عليه"[93]، والزوجة الأولى هنا هي التي تزوجها بعد طلاق الزوجة التي أراد مراجعتها، وإذا كان هذا الأمر واضح وقانوني، يسهل على القضاء التثبت منه في حالة الطلاق البائن، فإن الأمر يدق في حالة الطلاق الرجعي.
ذلك أن الزوج يكون في الطلاق الرجعي في حكم المتزوج، لأنه يملك إرجاعها، وقد يتزوج بأخرى[94]، وذلك بهدف التحايل على مسطرة التعدد، وهو الأمر الذي لم تعر له محكمة الرباط أي اهتمام لما قضت للزوج بإرجاع طليقته لتكون زوجة ثانية[95].
وارتباطا مع ما سبق كان حريا بالمشرع أن يراعي مجموعة من القيود بالنسبة للطلاق كي لا يسهل أمر الرجعة أو المراجعة في وقت تزوج فيه خلال فترة الطلاق بامرأة أخرى.[96]
كما يتعين دائما احترام فترة العدة، حتى من طرف المطلق في الطلاق الرجعي بحيث إن الزوجة في حكم المتزوجة خلال العدة، وكذلك الزوج، وبالتالي يتعين عدم الإذن بتوثيق زواج المطلق خلال فترة العدة إلا بعد انقضاء العدة، أو بعد إدلائه بإذن المحكمة بالتعدد لأنه قد يتزوج بامرأة أخرى ويقوم بإرجاع المطلقة خلال العدة، ويكون بالتالي متزوج بامرأتين دون الحصول على إذن بالتعدد، وذلك رغم عدم وجود نص صريح.[97]
خامسا : واقــــع التعــــدد
من خلال استعراضنا لمختلف الاتجاهات الفقهية والتشريعية، اتضح لنا اختلاف المواقف بين من يبيح التعدد مطلقا، وبين من يقيده بقيود معينة وشروط محددة، وبين من يحرمه صراحة ويعتبر تعدد الزوجات جريمة معاقبا عليها.
والذي نميل إليه بعد هذه الآراء هو أن إباحة التعدد مطلقا يتنافى مع روح الشريعة الإسلامية، كما أن واقع مجتمعنا المعاصر يرفضه استنادا إلى اعتبارات عديدة أذكر منها :
- الظروف الاقتصادية والاجتماعية تحتم على الزوج الاكتفاء بزوجة واحدة.
- ظهور أفكار وتيارات اجتماعية في موضوع تنظيم الأسر وذلك نتيجة ارتفاع مستوى التعليم وزيادة الوعي الثقافي بين الرجل والمرأة معا وترتب على ذلك فهم جديد لقيمة الحياة الزوجية وإدراك أكثر عمقا بمسؤوليات الحياة الزوجية، الأمر الذي يحتم الاقتصار على النمط المثالي في الزواج وهو عدم التعدد إلا عند الضرورة القصوى وفي أحوال جد نادرة[98].
أما الاتجاه الذي يرى منع التعدد مطلقا وتحريم الفعل، فإننا نعتقد بأن هذا الاتجاه مبالغ فيه، ولا يتفق مع مقتضيات النصوص الشرعية، ولم يراع أيضا خصوصيات المجتمع الإسلامي، ذلك أن الشريعة الإسلامية بمذاهبها الفقهية المختلفة فيها من المرونة ما يضمن إيجاد الحلول الشافية لكل المشاكل وفي كل زمان ومكان، فالمباح يمكن تقييده، لذلك فتعدد الزوجات يمكن تقييده، أما منعه مطلقا دون مراعاة لأي مبرر أو ظرف فلا نعتقد بأنه اتجاه سليم.
ونميل إلى اعتبار الأصل هو عدم التعدد، لأن الواقع يؤكد بأن حالات التعدد مبنية على الجور وإلحاق الظلم والضرر بالزوجة وذلك تحقيقا لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ﴾، والله سبحانه وتعالى يأمر الرجال بمعاشرة الزوجات بالمعروف أو التسريح بالإحسان، وما ينص عليه الحديث الشريف من أنه ﴿ لا ضرر ولا ضرار﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم : «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، وليس من العدل والمروءة أن يتزوج الرجل على أهله (زوجته) دون مبرر شرعي، ومن ثم يسمح بالتعدد استثناء من القاعدة السابقة إذا دعت الضرورة إلى ذلك ووجد المبرر الشرعي بعد الحصول على إذن القضاء بذلك، فقد يسمح بالتزوج بثانية كما إذا كانت الزوجة عقيم أو فيها مرض يمنعها من أداء وظيفتها الزوجية... الخ.
وأخيرا نرى بأن مشكل تعدد الزوجات في مجتمعنا المغربي في تقلص مستمر إذ لا يشكل سوى نسبة ضئيلة جدا بحيث تقل عن 1%[99]، وهو لا يمثل في الجزائر سوى 3[100]% وفي ليبيا 2% [101]، وربما لا يزيد عن هذا القدر في أكثر البلاد العربية .
مشكلتك
حلها عندنا
مكتب
دار العدالة للمحاماة والاستشارات القانونية
المستشار
القانونى
كريم
ابو اليزيد
محامى
الاحوال الشخصية وقضايا الاسرة
الاول
على مستوى مصر والاسكندرية
01287777888
00201287777888
www.karimabuelyazid.com
يمكنكم التواصل عن طريق
الواتس اب-الفايبر-تويتر




تعليقات
إرسال تعليق